الصفحة 15 من 35

عواقب أمثاله وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه" [1] ."

وقد عبّر عن هذا المعنى أبو حيان فقال:"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ يُري صاحبه ما هي عليه من البهجة والنضارة والحسن،"وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ"جملة حالية أي وهو كافر بنعمة ربه، مغتر بما ملكه، شاك في نفاد ما حوله، وفي البعث الذي حاوره فيه صاحبه، والظاهر أن الإشارة بقوله"هَذِهِ"إلى الجنة التي دخلها، وعنى بالأبد أبد حياته، وذلك لطول أمله، وتمادي غفلته، ولحسن قيامه عليها بما أوتي من المال والخدم، فهي باقية مدة حياته على حالها من الحسن والنضارة" [2] .

فهذا الكافر يعتقد أنه من المستحيل أن تباد جنته، ويستبعد وجود قوة مَّا تستطيع إبادتها وإزالتها ويبدو أن هذا الموقف جاء ردًا على قول صاحبه المؤمن، عندما حذَّره من زوالها، وأرشده إلى أسباب بقائها بقوله:"ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله"وإنما قال مقالته هذه لما استولى عليه من طول الأمل، وشدة الحرص على متاع الدنيا، والتمادي في الغفلة الناشئة من طول المهلة وسبوغ النعمة.

ثم جاءت مقالته الثالثة التي عبَّر فيها عن عقيدته، فأعلن كفره الصريح باليوم الآخر، قائلا:"وما أظن الساعة قائمة"، وهذا إنكار للبعث صراحة، ثم تمادى في غيه وغروره، فنطق ... مقولته الرابعة فقال:"ولئن رددت إلى ربي""على ضرب المثل،"لأجدن خيرا منها منقلبا"أي: ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء، فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس وأبخسهم حظا من العقل، فأي تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا أعطي في الآخرة، بل الغالب أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه، الذين ليس لهم في الآخرة نصيب، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام على وجه التهكم والاستهزاء، بدليل قوله"ودخل جنته وهو ظالم لنفسه"فإثبات أن وصفه الظلم في حال دخوله الذي جرى منه من القول ما جرى يدل على تمرده وعناده" [3] .

(1) - الكشاف للزمخشري: 2/ 674.

(2) - البحر المحيط لأبي حيان: 6/ 120.

(3) - تفسير السعدي: 1/ 477.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت