فهرس الكتاب
ذلك حرص المؤمن على هداية صاحبه، فناقشه في العقيدة بأسلوب علمي دقيق، أظهر له من خلاله فساد عقيدة الشرك، وبين له العقيدة الصحيحة، ثم بادر إلى تعليمه ما ينبغي قوله عند دخول الجنة حتى لا تخرب جنته وتزول نعمته، فقال لصاحبه مصرحا له بالتعليم متقدما إليه بالنصيحة قائلا له:"ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا"يقول البقاعي في تفسير هذه الآيات"أي وهلا حين"دخلت جنتك قلت"ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى ... تاركا الافتخار بها، ومستحضرا لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها، ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى، لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه من الزوال"ما شاء الله"أي الذي له الأمر كله كان، سواء كان حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا ولذلك أعراها من الجواب، لا ما يشاؤه غيره، ولا يشاؤه هو سبحانه، ثم علل ذلك بقوله تعالى:"لا قوة"أي لأحد على بستان وغيره"إلا بالله"أي المتوحد بالكمال فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله، وبراءة العبد منها، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره، فلا يخاف من غيره" [1] .
وقوله:"إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا"جاء جوابا عن قول صاحبه الكافر له:"أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا"وفيه وعظ وإشارة من المؤمن للكافر، بأنه لا يدري أن تصير كثرة ماله إلى قلة ونعمته إلى زوال، وأن يصير قليل المال في مستقبل الأيام ذا مال كثير.
وقدو ردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، تبين فضل قول"لا قوة إلا بالله"منها ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال:"لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا قالها العبد قال الله عزَّ وجلَّ: أسلم عبدي واستسلم" [2] "
وقال القرطبي في تفسير هذه الجملة"لا قوة إلا بالله":"أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع" [3] .
(1) - نظم الدرر للبقاعي: 4/ 469.
(2) - أخرجه مسلم في صحيحه برقم: 2704 4/ 2078.
(3) - تفسير القرطبي: 10/ 406.