فهرس الكتاب
ويتبين بأن إصابة الله سبحانه وتعالى لهم تمثلت بأن ابتلاهم (( بالشدة في أنفسهم وأموالهم ليخضعوا ويذلوا لأمر الله لأن القلوب تخشع والنفوس تضرع عندما يكون من أمر الله البأساء والضراء ) ) [1] .
وتمثلت إجابته سبحانه وتعالى لهم بمكاره خارجية وداخلية فالبأساء (( تشير إلى المكروه الخارجي و(الضراء) تشير إلى المكروه الداخلي, النفسي أو الروحي, وعلى هذا تكون البأساء من عوامل إيجاد الضراء )) [2] .
ولم يكن الابتلاء هنا بدافع الإهلاك بل بدافع التضرع والإنابة له سبحانه (( أخذهم بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم, لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله, ويتذللون له وينزلون عن عنادهم واستكبارهم, ويدعون له أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة, فيرفع الله عنهم البلاء, ويفتح لهم أبواب الرحمة ... ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريًا أن يفعلوا ) ) [3] .
أما قوله تعالى: (( أخذتهم بغتة ) )فالأخذ هنا مختلف عن الأخذ في قوله تعالى: (( أخذتهم بالبأساء والضراء ) )فالأخذ السابق دلالة على العقوبة مع مجال التضرع أما الأخذ هنا (( أخذتهم بغتة ) )استعاره القرآن الكريم للدلالة على (( الإهلاك السريع المفاجئ ,وقيل بأن متعلق الأخذ لم يذكر هنا كما ذكر في قوله تعالى:(أخذتهم بالبأساء والضراء) للدلالة على انه أخذ لا هوادة فيه )) [4] ، بعد عقاب الله سبحانه وتعالى لهم, فتح عليهم أبواب النعمة استدراجًا حتى تمت لهم النعمة وفرحوا بها عندها أهلكهم الله سبحانه وتعالى (( أخذناهم فجأة فانغمرت أنفاسهم ولا حجة لهم لاستحقاهم ذلك ) ) [5] .
وكان أخذ الله سبحانه وتعالى لهم بالهلاك على حين غرة (( وهم في سهوة وسكرة فإذا هم حائرون منقطعوا الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم ) ) [6] .
وهنا جاء الحق حيث كانت عقوبة الله لهم شديدة لا هوادة فيها (( أرسلنا العقوبة بغتة أي مفاجأة من حيث لا يشعرون ) ) [7] .
واقترن إتمام النعمة عليهم بازدياد قسوة قلوبهم إلى حدّ موت هذه القلوب حينها استحقوا بأن (( فاجأهم الله بالعذاب من حيث لا يشعرون ) ) [8] .
أما قوله تعالى: (( أخذ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ) ).
استعار القرآن الكريم لفظ (الأخذ) للدلالة على السلب والانتزاع وقيل: بأن الأخذ هنا مجاز في السلب والإعدام, لأن السلب من لوازم الأخذ بالنسبة إلى المأخذ منه فهو مجاز مرسل. كما قيل بأنه يجوز جعله تمثيلًا لأن الله هو معطي السمع والبصر فإذا أزالها كانت تلك الإزالة كحالة أخذ ما كان أعطاه, فشبهت هيئة
إعدام الخالق بعض مواهب مخلوقه بهيئة انتزاع شيئًا من مقرّه. كما يقول أيضا بأن الهيئة المشبهة هنا عقلية غير محسوسة والهيئة المشبهة بها محسوسة [9] .
كما جاء (الأخذ) ليحمل معنى السلب أيضا (( سلب نعمتي السمع والأبصار هو الإصمام والإعماء ) ) [10] .
(1) التبيان في تفسير القرآن:4/ 136.
(2) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:4/ 266 - 267.
(3) في ظلال القرآن: 2/ 1089.
(4) التحرير والتفسير: 7/ 231.
(5) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 92.
(6) في ظلال القرآن: 4/ 137.
(7) التبيان في تفسير القرآن: 4/ 137.
(8) التفسير الكبير: 12/ 226.
(9) ينظر: التحرير والتنوير: 7/ 234.
(10) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 93.