الصفحة 22 من 25

يعد السمع والبصر والقلب من أشرف أعضاء الإنسان (( فالأذن محل القوة السمعية والعين محل القوة الباصرة, والقلب محل الحياة والعقل والعلم فلو زالت هذه الصفات من هذه الأعضاء اختل أمر الإنسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين ) ) [1] .

وقد سبق (الأخذ) بصيغة استفهام إنكاري (( قل أرأيتم ) )فالله سبحانه وتعالى منحكم تلك النعم العظيمة ولما لم تقدروها سلبها منكم والله يريد منكم جوابًا فهو قادر على انتزاعها وقت شاء ولم يكن لكم أمام حكمة العدل من جواب وكان أخذه لكم بأن (( يصمكم ويعميكم و"يختم على قلوبكم"بأن يغطي عليها ما يذهب عنده فهمكم وعقلكم ) ) [2] .

وكان الأخذ هنا مجازًا عن أن الله (( أصم أسماعكم أعمى أبصاركم ) ) [3] .

وقيل: بأنه استعارة فالمراد به (( إبطال حواسهم وإذا بطلت عنهم فكأنها أخذت منهم وغيبت عنهم ) ) [4] .

وقد ظنّ هؤلاء بأن ما أنعم الله به عليهم لا يبيد وأن الله عز وجل راض عنهم فجاءهم الأخذ (( استأصلناهم وسطونا بهم ) ) [5] .

ومن هنا يتضح بأن (الأخذ) في قوله تعالى: (( أخذنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ) )خرج عن معناه الحقيقي وهو التأول إلى معنى مجازيا يتمثل بالإصابة والابتلاء, فالأخذ يكون لشيء ملموس ولكنه سبحانه وتعالى استعمله استعمالًا مجازيًا للدلالة على الإصابة بالمكاره الداخلية والخارجية ونلتمس فيه معنى القهر والغلبة لله سبحانه وتعالى.

أما (الأخذ) في قوله تعالى (( أخذتهم بغتة ) )فهو أخذ مجازي للدلالة على إنزال العذاب وإحلاله لهم بعد إتمام النعمة عليهم وجحدهم لها وعصيانهم لله عزّ وجل فالله يمهل العبد ولا يهمله.

ويتضح أنه أخذ معنويًا محسوسًا يفصح عن انه عاقبهم عقوبة لا مجال معها للتضرع وفيه معنى الاستئصال بدلالة قوله تعالى: (( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... ) ).

والأخذ في قوله تعالى: (( أخذ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ) )هو أيضا أخذ مجازي للدلالة على سلب نعمة السماع والبصر والقلب وإذ سلب الإنسان هذه النعم فما يبقى له؟! إلا إنه زوالٌ بما يكون عليه معنى الزوال وهل هناك عقاب اشد من هذا العقاب! والأخذ معنوي ليس المقصود به تناول هذه الحواس إنما المقصود بالأخذ الإعماء والإصمام والتغطية على القلب بما يذهب معه العقل والفهم.

قوله تعالى: (( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) ) (الأنعام/55) .

وقوله تعالى: (( انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) ) (الأنعام/65) .

ومن الألفاظ التي استعملها القرآن الكريم استعمالا مجازيًا لفظ (التفصيل) و (التصريف) فلفظ (التفصيل) يناظر لفظ (التصريف) ولكن القرآن الكريم جعل للتصريف دلالة مختلفة عن دلالة التفصيل.

(( الفصل بون ما بين الشيئين ) ) [6] . و (( الفاء والصاد واللام كلمة صحيحة تدل على تميز الشيء من الشيء وإبانته عنه ) ) [7] . والتفصيل (( التبيين. والفصل: القضاء بين الحق والباطل ) ) [8] .

(1) التفسير الكبير: 12/ 227.

(2) الكشاف: 2/ 24.

(3) مجاز القرآن: 1/ 192

(4) تلخيص البيان مجازات القرآن: 127.

(5) الجامع لإحكام القرآن: 6/ 426.

(6) لسان العرب, فصل:10/ 473.

(7) مقاييس اللغة, فصل: 4/ 505.

(8) تاج العروس: 15/ 573.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت