فهرس الكتاب
والرؤية به تنبع من الإحساس الباطني بالشيء فإبراهيم (عليه السلام) أحس بضلال أبيه وقومه وأعضد هذا الإحساس ما شاهده من عبادتهم للأصنام مشاهدة عينية مما دفعه لمحاججتهم بقوله: (( أتَتَخذوُ أصنَاما آلهِةً ... ) ).
كما يمكن أن يكون إبراهيم (عليه السلام) أدرك بعقله معرفة الله سبحانه وتعالى ووجوب الاشتغال بشكره قيل (( لأن إبراهيم(عليه السلام) حكم عليهم بالضلال. ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال. لأن ذلك المذهب كان متقدمًا على دعوة إبراهيم (عليه السلام) . ولقائل أن يقول: أنه كان ضلالاَ بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام )) [1] .
وقد اثبت إبراهيم (عليه السلام) وأقر ظلالهم: (( أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ) )تثبيتًا وتقريرًا وهو داخل في حكم الإنكار لأنه كالبيان له [2] .
وقد تكون الرؤية هنا معنوية قلبية نابعة عن إحساس بالأشياء لا مشاهدة لها وتعتمد على الإدراك لهذه المحسوسات والأشياء.
واختلف المفسرون بشأن هذه الرؤية فقيل إنها قد تكون رؤية بصرية مادية لأن إبراهيم (عليه السلام) شاهد ما كان من ضلال أبيه وقومه. أو تكون علمية معنوية نابعة عن إحساسه بضلال أبيه وقومه وان ما يعبدونه من الأصنام لا تستحق العبادة وان هناك خالق عظيم هو المستحق للعبادة.
ونميل إلى كون الرؤية هنا (أراك وقومك) رؤية معنوية لأنها رؤية إلهام في بادئ الأمر ولفطرته الصافية وإنكاره عبادة الأصنام أيقنه الله بوجود خالق عظيم لهذا الكون بأن أراهُ رؤية حقيقية ما يستدل معها بوجود الله في قوله تعالى: (نُري إبراهيم) .
قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ) ) (الأنعام/98) .
لفظ (المستقر) يناظر لفظ (المستودع) في كونهما مكث لكن في المستقر مكث دائم وفي المستودع مكث غير دائم بل يسترجع ما أراد صاحبه استرجاعه.
والقرآن الكريم استعمل لفظ (المستقر) و (المستودع) استعمالًا معنويًا مجازيًا.
ذكر ابن القطاع: (( قر بالمكان يقر بالكسر والفتح وقال ابن سيده الأولى(أعلى) أي أكثر استعمالًا )) [3] .
و (( قر بالفتح وتقرارة وتقرة والأخيرة شاذة ثبت وسكن فهو قار, كمستقر وتقار وهو مستقر ) ) [4] . و (( القاف والدال أصلان صحيحان, يدل احدهما على برد, والآخر على تمكن, يقال: قر واستقر ) ) [5] . وقال الليث (( المستقر ما ولد من الخلق وظهر على الأرض ) ) [6] , و (( قر في مكانه يقر قرارا اذا تبث تبوثًا جامدًا واصله من القر وهو البرد وهو يقتضي السكون ) ) [7] .
هذا بالنسبة للمستقر أما المستودع: (( الوديعة: واحدة الودائع, هي ما أستودع. والمستودع: المكان الذي تجعل فيه الوديعة, يقال: استودعته وديعة إذا استحفظته اياها. وقوله تعالى:(فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) ؛ المستودع في الارحام )) [8] . و (( الواو والدال والعين أصل واحد يدل على الترك والتخلية ) ) [9] .
(1) الميزان في تفسير القرآن: 7/ 175.
(2) التحرير والتنوير: 7/ 314.
(3) ينظر: تاج العروس, قر:7/ 380.
(4) م ن.
(5) ينظر: مقاييس اللغة, قر:5/ 7.
(6) تهذيب اللغة. قر:8/ 228.
(7) المفردات في غريب القرآن:397.
(8) لسان العرب, ودع:15/ 254.
(9) مقاييس اللغة, ودع: 6/ 96