الصفحة 24 من 25

وتصريف الآيات توضيحها قيل: (( انه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم, فأما من اعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم ) ) [1] .

استعار القرآن الكريم لفظ (التفصيل) للآيات للدلالة على توضيحها فأستعمله استعمالًا مجازيا فبدلًا من قوله نوضح الآيات ونبينها ونشرحها قال تعالى: (( نفصل الآيات ) )والله سبحانه وتعالى لم يفصل الآيات بعضها عن بعض تفصيلًا حقيقيًا لأنها شيء معنوي بل هو توضيح الآيات وتبيينها ولكن لكثرة إطلاق التفصيل على التوضيح والتبيين صار التفصيل يحمل معنى حقيقيا يتمثل بالإبانة والإيضاح.

أما (التصريف) بمعناه الحقيقي فيتمثل بصرف الشيء أي رجع الشيء أو أعماله في غير وجهه والقرآن الكريم استعار هذا اللفظ ليعبر به مجازيًا عن توضيح الآيات والدلائل والتنويع فيها بين الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى.

وعبر به القرآن عن شيء معنوي (الآيات) وذلك بشرحها وبيان ما فيها لمن يفقه ويفهم دلائل الله وحججه.

قوله تعالى: (( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ) (الأنعام/74) .

ومن الأشباه لفظ (أرى) في قوله تعالى: (أراك وقومك) ولفظ (نرى) في قوله تعالى: (نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) وعلى الرغم من إنهما من أشباه لكن القرآن الكريم فرق بينهما في الاستعمال. وقد تطرفنا إلى لفظ (نري) في المبحث الأول وبينا أن القرآن الكريم استعمله استعمالًا حقيقيًا ماديًا يتمثل في مشاهدة ملكوت السماوات والأرض. أما لفظ (أرى) هنا فالقرآن استعمله استعمالًا معنويات لإحساس إبراهيم بضلال أبيه وقومه.

وقد تطرقنا في المبحث الأول إلى المعنى اللغوي للرؤية وسنبين هنا دلالة (أرى) في قوله: (أراك وقومك) .

استعمال القرآن الكريم لفظ (أرى) للدلالة على الرؤية قيل: إن الرؤية هنا معنوية قلبية (( أنها الفطرة تنطق على لسان إبراهيم انه لم يهتد بوعيه وإدراكه إلى إلهه ولكن فطرته السليمة تنكر ابتداءً أن تكون هذه الأصنام التي يعبدوها قومه إلهة ) ) [2] .

واختلف المفسرون بشأن الرؤية الواردة هنا, فالرؤية الحقيقية تقوم على الظهور والوضوح وقد صار ضلال أبيه وقومه واضحًا من تقربهم للأصنام (( وكيف لا يظهر هذا الضلال وهو عبادة وتذلل عبودي من صانع فيه آثار العلم والقدرة لمصنوعه الذي يفقد العلم والقدرة ) ) [3] .

كما قيل: يجوز أن تكون بصرية قصد منها في كلام إبراهيم أن ضلال أبيه وقومه صار كالشيء المشاهد لوضوحه في أحوال تقرّباتهم للأصنام من الحجارة فهي حالة مشاهد ما فيها من الضلال وعليه فقوله: (( في ضلال مبين ) )في موضوع الحال [4] .

وقيل: أيضا (( يجوز كون الرؤية علمية، وقوله(في ضلال مبين) في موضع المفعول به الثاني )) [5] .

(1) التفسير الكبير:13/ 23.

(2) في ظلال القرآن:2/ 1138.

(3) الميزان في تفسير القرآن:7/ 175.

(4) التحرير والتنوير:7/ 314.

(5) م ن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت