يمكن تصنيف هذه الوظائف إلى أربع مجموعات:
1)الوظيفة الأولى (خلقية وتعبدية) من خلال التقرب إلى الله عن طريق الصدقة مصداقا لقوله تعالى: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وعظم أجرا وقول النبي صلى الله عليه وسلم [إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له] .
وظهر هذا العنصر من خلال تبني (مؤسسة الوقف) بناء المساجد وتعهدها في كل مدينة أو قرية أو حي يأوي مسلمين في كل العصور، وفي أي منطقة من العالم يقيم بها مسلمون.
2)الوظيفة التربوية حيث يساهم نظام الوقف بشكل كبير في تمويل المؤسسات التربوية من خلال بناء المدارس التي انبثقت من صلب المساجد والتي كانت أصلا كتاتيب قرآنية لحفظ القرآن، وتعلم اللغة العربية، [1] كما يساهم في توفير العديد من الخدمات التابعة لهذه الوظيفة مثل بناء الأحياء الجامعية، وتوفير الكتب المدرسية، إن الوقف كان وراء بناء أكبر خزانات كتب في تاريخ الأمة الإسلامية، والتاريخ يحكي لنا العديد من الأمثلة عن علاقة النخبة الحاكمة، أو النخبة العلمية، والأوقاف التربوية، ونلاحظ وللأسف انكماش هذه الظاهرة في العالم الإسلامي المعاصر وتحولها إلى ظاهرة غربية، من خلال مساهمة المؤسسات الدولية في إنشاء المؤسسات الثقافية، مع ما يمكن أن يحمل ذلك من أخطار، فالعلماء والأمراء كانوا يتسابقون في توجيه الأوقاف الخيرية في خدمة المجالات العلمية، وخاصة المكتبات، ونذكر من بين أشهر المكتبات في تاريخ العالم عن الإطلاق، (مكتبة بنو عمار) في طرابلس بسوريا، حيث كان يشتغل في نسخ الكتب 180 شخصا ليل نهار، والتي كانت تتوفر على مليون كتاب [2] وكذلك الشأن بالنسبة لمكتبة القاهرة التي كانت وقفا للخليفة الحاكم بأمر الله، وكانت تتوفر على 2,12 مليون كتاب، وهو ما يمثل عشرين مرة عدد الكتب التي كانت تتوفر عليها مكتبة الاسكندر في عهد الرومان، بل حتى القبائل البربرية الآتية من شمال روسيا، والتي اجتاحت العالم الإسلامي، تغير سلوكها بعد اعتناقها الإسلام وبدأت تساهم في الأعمال الخيرية عن طريق الوقف [3]
3)الوظيفة الاجتماعية: عن طريق مساعدة الفقراء والمساكين والمرضى والمعوقين والمحتاجين من خلال عدة مئات من النماذج الوقفية، بهدف تحقيق مبدأ التكافل الذي يمثل محول المنهج الاجتماعي الإسلامي. وهكذا استطاع نظام الوقف:
-إعادة توزيع الثروة، خاصة في مجال الأراضي الفلاحية وفي مجال السكن الاقتصادي ومجال الحمامات العمومية وغيرها من المصالح الاجتماعية.
-المحافظة على وجود الجاليات الإسلامية، سواء الأقليات منها أو الأغلبيات، ويذكر الشيخ المكي الناصري في كتاب الأحباس الإسلامية في المملكة المغربية دور الأقليات الإسلامية في الهند واليابان، وفي أوروبا في الدفاع على أملاك الوقف، في بداية العقد الثالث من القرن العشرين، كل هذه المجهودات يقول الشيخ المكي الناصري كللت بالنجاح، خاصة في يوغسلافيا، حيث كانت جالية إسلامية في البوسنة والهرسك.
وحاول الاستعمار الإنجليزي في الهند تفكيك هذه البنية، بفضل المدارس الوقفية المنتشرة في مختلف أنحاء إندونيسيا و الإبقاء على الهوية الإسلامية لأكبر دولة إسلامية في العالم. ويفسر الغربيون النهضة الإسلامية التي تعرفها إندونسيا حاليا رغم حملات التنصير التي تتعرض لها، بالنشاط المتزايد للمتخرجين من المدارس القروية والمسماة (مدرسة) وهي مؤسسات وقفية، ويمكن قياس النموذج الاندونيسي على باقي دول آسيا مثل ماليزيا والفلبين حيث تنشط المدارس الدينية الوقفية بشكل خاص.
4)الوظيفة السياسية: من خلال عدة مظاهر نذكر منها:
-مقاومة النخبوية في النظام التربوي الإسلامي عن طريق فتح مدارس وأحياء سكنية للطلبة. تأوي الطلبة الفقراء، وخاصة أولئك القادمين من البادية، والذين يجدون في الأوقاف الجامعية أما كن للتعليم والسكن بالمجان.
(1) - «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتهم، ومما أخرجنا لكم من الأرض» (البقرة: 267 لذلك نجد الكتاب القرآني في المغرب يحمل اسم مسيد وهي اختصار لكلمة مسجد
(2) - عبد المالك أحمد السيد في بحثه:"الدور الاجتماعي للأوقاف"في كتاب جماعي تحت عنوان"إدارة واستثمار ممتلكات الأوقاف"المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، المملكة العربية السعودية ص: 268.
(3) - في بخاري مثلا قامت أم هولاكو ببناء مدرستين كبيرتين تستوعب كل منهما ألف طالب، وجعلتهما وقفا كما ذكر عبد المالك أحمد السيد في نفس المصدر ص: 259