فهرس الكتاب
يقدر على رده إلى لغة أخرى إلا بعد تكلف ومئوونة شديدة، فيسر الله عليهم أن أنزل كتابه على سبع لغات متفرقات في القرآن بمعان متفقة ومختلفة؛ ليقرأ كل قوم على لغتهم، على ما يسهل عليهم من لغة غيرهم، وعلى ما جرت به عادتهم، فقوم جرت عادتهم بالهمز، وقوم بالتخفيف، وقوم بالفتح وقوم بالإمالة. وكذلك الإعراب واختلافه في لغاتهم، والحركات واختلافها في لغاتهم. وغير ذلك. فتفصح كل قوم، وقرأوا على طبعهم ولغة من قرب منهم، وكان ذلك رفقا عظيما بهم، وتيسيرا كثيرا لهم. ونظير هذا بما يسر الله لعباده من الفرائض، والأحكام والأوامر والنواهي، حيث أنزلها عليهم شيئا بعد شيء في أكثر من عشرين سنة.
ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم من غيرهم ممن هو أعلى درجة منهم وأجل قدرًا؟
فالجواب على ذلك: أن الرواة عن الأئمة من القراء كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد كثيرا في الاختلاف. فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين وكامل العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل عصره على عدالته فيما نقل وثقة فيما قرأ وروى، وعلمه بما قرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب عليهم.
فهذه علة اختيارهم لهؤلاء الأئمة، وصفات اجتبائهم، ثم نظروا في كل مصر إسلامي بعث إليه عثمان - رضي الله عنه - بمصحف، فأفردوا من كل مصر وجه إليه