(إِنِّى قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِى) رواه البيهقي وعدد من أئمة الحديث الشريف.
هذه النصوص القاطعة والشاملة وغيرها كثير في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تدل على أن مرجع البشرية كلها في كل أمورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، العّقَدية والاجتماعية، والخُلُقية، والسياسية، والاقتصادية، والأُسرية، وغيرها، ولا يجوز لعاقل أن يخرج عنها أو يخالفها، وإلا كانت نتيجة ذلك الخسران في الدنيا والعقاب في الآخرة، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) .
وما نراه اليوم في عالمنا المعاصر من حروب ونزاعات ونكبات وأزمات، في مختلف أنحاء العالم، ما سببه في حقيقة الأمر إلا الخروج على أحكام الله تعالى، والبعد عنها، ومخالفتها، وطريق الخلاص من ذلك كله الرجوع إلى الله تعالى ورسوله، والانضباط بأحكامه، والإسلامُ بتشريعاته الشاملة إذا لم يرتضه بعض البشر عقيدة ودينا لهم ليجنبهم عذاب الله تعالى في الآخرة، ويدخلهم جنته، فليس عليهم إلا أن ينصاعوا له في معاملاتهم وعلاقاتهم المختلفة على أقل تقدير، ليتخلصوا من الفوضى والظلم والضياع الذي هم فيه في الدنيا، إلى الهدى والرشد وانتظام الأمور.
وفي هذا النطاق، أحاول -ما استطعت- أن أرسم في هذا البحث الخطوط الأولى والعريضة لمعالم النظام الاقتصادي الإسلامي، تاركا التفصيلات والجزئيات إلى المتخصصين، وإلى بحوث مطولة يضعونها على مَهَل، بما يناسب العصر والعرف والحاجة.
أهم المبادئ والأسس للاقتصاد الإسلامي:
1 )) الاقتصاد الإسلامي بكل مشتملاته هو جزء لا يتجزأ من النظام الإسلامي العام الشامل، الخُلُقي، والاجتماعي، والتشريعي، الذي لا ينفك جزء منه عن جزء، ولذا لا يمكن إفراده بالبحث من غير إشارة إلى صلته الوثيقة بباقي المبادئ الإسلامية الأخرى.
2 )) المال في الإسلام وسيلة لاستدامة الحياة، وليس غاية لها، والغاية الأولى من الحياة هي الانتظام بأحكام الله تعالى، والانصياع لها، والتمسك بها: قال سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات: 56 - 58) ، وقال جل من قائل: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77) ، ففي هذا بيان شاف إلى أن الخروج على أحكام الله تعالى نتيجته الفساد في الأرض، وهو ما تعاني منه البشرية الآن.
3 )) التجارة والصناعة والزراعة وسائر الأعمال الإنتاجية الأخرى مباحة شرعا، لأهداف خاصة، وبضوابط خاصة، فأما أهدافها، فهي تقديم العون للبشرية على استمرارها في عبادة الله تعالى، وليس الربح وجني الثروات، ولا يعني ذلك منع الربح فيها، لأن الربح لو منع لتوقفت الحياة، ولكن ليكن الربح مساعدا على خدمة البشرية، التي هي الأصل، لا أصلا في نفسه والخدمة فرعه، وإلا انقلبت الآية وعمت المشكلات والأزمات، قال صلى الله عليه وسلم: (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) رواه الترمذي، والتاجر الصدوق هو الذي يعمل لخدمة الناس ويربح من ذلك، وليس الذي يعمل للربح ويخدم الناس من وراء ذلك.
4 )) التعامل الاقتصادي بين الناس جميعا لا ينعقد إلا عن تراض كامل من جميع أطرافه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء:29) . فإذا دخله إكراه بأي صورة كان، فسد التعامل وحرم.
5 )) طرق الاستثمار الإسلامية كثيرة متعددة، تلبي كامل متطلبات البشر، في كافة البيئات والأزمنة، على مختلف العادات والأعراف، لأنها من تشريع خالق البشر، الذي يعرف متطلباتهم وما يصلحهم وما يحتاجون إليه، وهي منضبطة بشروط تجعلها موجهة في تأمين مصالح الناس بعدالة، دون جنوح أو إضرار أو إفساد، ولا يجوز استعمالها إلا بشروطها وضوابطها، وسوف أبين أهم هذه الطرق، وأهم ضوابطها:
آ- أهم طرق الاستثمار الإسلامية: