فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 5

تحدثنا في الخطبة ماضية عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، واليوم نتناول نوعا آخر من الإعجاز ألا وهو سر القرآن والذي به تميز كلام الرحمن وهو الإعجاز النظمي، وهو حسن السبك وجمال التركيب. فالقرآن موضوع من حروف وكلمات عربية يتقنها كل عربي فضلا عن قرشي بلغ المدى في الفصاحة والبيان، ومع هذا لم يأت أحد منهم بشيء يعارض فيه القرآن سوى مجنون اليمامة الكذاب مسيلمة فأضحك العجوز الثكلى على بلاهته وقلّةِ عقله وسخافة فهمه واضمحلال لغته.

عباد الله:

تأبى النفس الأبية أن تسكن لم يتحداها على فعل شيء فكيف بنفس العربي الجاهلي، فكيف بمن تحدى وأوعد بالذبح لمن لم يقدر على أن يأتي بمثل ما أتى به؟

قال عبد القاهر الجرجاني - رحمه الله: كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب وفي مثل قريش ذوي الأنفس الأبيّة والهمم العلّية والأنفة والحميّة من يدعي النبوة ويقول: وحجتي أن الله قد أنزل عليّ كتابًا تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله ولا بعشر سور منه ولا بسورة واحدة، ولو جهدتهم جهدكم واجتمع معكم الجن والإنس. ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبينوا سرفه في دعواه، لو كان ممكنًا لهم، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدًا تركوا معه أحلامهم وخرجوا عن طاعة عقولهم، حتى واجهوه بكل قبيح ولقوه بكل أذى ومكروه ووقفوا له بكل طريق [1] وفعل قريش هذا يدل على عدم مقدرتهم على معارضة نظم القرآن، فبدلا من المعرضة بدأ التشويش بالتصفيق والتصفير (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) [فصلت:26] قال الشيخ الشوكاني - رحمه الله: (عارِضُوه باللغو الباطل، أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارئ له.) هذا أكثر ما ملكته القبيلة العربية الفصيحة قريش.

عباد الله: لما سمع الوليد بن المغيرة القرآن رَقَّ له فقد أيقن أنه ليس من كلام البشر، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا ليعطوه لك، فإنك أتيت محمدًا لِتَعرَّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا! قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكرٌ له، قال: وماذا أقول؟! فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا أعلم برَجَزِه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمُثمر أعلاه مُغْدِق أسفله، وإنه ليَعْلو وما يعلى، وإنه ليَحْطِمُ ما تحته!!

قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه!!. قال: فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره!! فنزلت الآيات في الوليد قال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ـإلى قوله - سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} (المدثر:11 - 26)

وقال الزهري - رحمه الله: حُدِّثْتُ أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يصلي بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فلما طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فتلاوموا، وقال

(1) الشافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت