فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 5

بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا.

حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألاّ نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.

قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه! والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه.

عباد الله:

لقد كان الذوق العربي السليم يساعد أصحابه على إدراك الأساليب القرآنية في مخاطباته، وبقي هذا الأمر بعد عصر النبوة والخلفاء الراشدين وردحا من الزمن في الدولة الأموية، إلا أن بدأ صفاء السليقة العربية يفقد رونقها، وبدأت الثقافات الفارسية واليونانية تأخذ طريقها إلى المجتمع الإسلامي على يد أبناء الأمصار التي فتحها المسلمون وأخذ الناس يفكرون بطريقة عقلية مجردة عن التذوق الجميل لأساليب القرآن وإدراك المعاني بالطريقة الصافية، عند ذلك فقد الناس حلاوة اللغة العربية بشكل عام وحلاوة القرآن بشكل خاص وغاب عنهم لذة النظم العظيم. وهذا النظم هو مسحة خلابة عجيبة، تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي، فأما نظامه الصوتي فإنك تجده متسقًا مؤتلفًا في حركاته وسكناته ومدوده وغُنَّاته، واتصالاته وسكتاته، اتساقًا عجيبًا وائتلافًا رائعًا، يسترعي الأسماع ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم ومنثور.

فجرسه الصوتي يجذب السامع له ويلفت انتباهه، حتى لو كان أعجميًا لا يعرف اللغة العربية، ولعل هذا هو الذي حمل بعض العرب في عهد النبوة أن يقولوا: إنه شعر، ثم عادوا إلى أنفسهم فعلموا أنّه فوق الشعر وأنه لايسير على منهج الشعر ومنواله فقالوا: هو سحر.

وأما جماله اللغوي فيظهر فيما امتاز به في رصف حروفه وترتيب كلماته ترتيبًا بديعًا، بحيث أنك تجد لذةً حين تسمع حروف القرآن خارجة من مخارجها الصحيحة.

عباد الله:

لقد تأثر عدد من الناس بجمال القرآن ومنهم الشاعر المعاصر نقولا حنّا:-

حيث كان نصرانيًا، ثم أعلن إيمانه بالقرآن وبالرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -.

قال:- قرأت القرآن فأذهلني، وتعمقتُ به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت .. آمنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت