انظر:"الموقظة"للذهبي، و"الاقتراح"لابن دقيق العيد، و"النزهة"للحافظ، و"فتح المغيث"للسخاوي، وغير ذلك.
وما ذاك؛ إلا لأن أعراض الناس حفرة من حفر النار، وأن من تكلم في مسلم بما ليس فيه؛ كُلِّف أن يأتي بالمخرج، وإلا حُبس في ردغة الخبال، وهي عصارة أهل النار، ولما يترتب على الكلام في الناس بدون توفر شروط أهلية الجرح والتعديل؛ من هرج وفتن وفساد عريض، لاسيما في هذا الزمن الذي قَلّ فيه العاملون في الدعوة إلى الله، وكثرت ضدهم سهام الأعداء من كل حدب وصَوْب، فإذا انضم إلى ما هم فيه من ظلم أعدائهم، ظلمُ من ينتسب للعلم أيضًا؛ كانت العاقبة وخيمة، وصدق القائل:
وظلمُ ذوي القربى أشد مضاضة. . . على النفس من وقع الحسام المهند
ومن أجل هذا وغيره، أنكر العلماء على من غلا في الكلام على الرواة، واستهجنوا صنيعه، وغمزوه بكلام مؤلم.
فقد نقل الذهبي ـ رحمه الله ـ قول ابن حبان في أفلح بن سعيد المدني القُبَائي:"يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه"اهـ.
ثم عقَّب الذهبي على ذلك بقوله:"قلت: ابن حبان ربما قصَّب ـ أي عاب وشتم ـ الثقة، حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه. . ."اهـ. من"الميزان" (1/ 274) .
فلم يقبل الذهبي من ابن حبان - على علمه وشهرته - التجاوز في حق أفلح، وغَمَزَه بما رأيت، مع أن أفلح قد لينه أبوحاتم الرازي وغيره، لكنْ هناك فرق واسع بين اللَّيِّن والمتروك، والعدل شعار أئمة الجرح والتعديل، فمن خالفه؛ رُدَّ قوله.
وفي"الميزان"ـ أيضًا ـ (3/ 301 ـ 302) ترجمة هشام بن عروة، قال الذهبي ـ رحمه الله ـ:"أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكِبَر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا، ولا عبرة بما قاله أبوالحسن بن القطان، من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيّرا، نعم الرجل تغيّر قليلًا، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فَنَسي بعض محفوظه، أو وهم، فكان ماذا؟!! أهو معصوم من النسيان؟!! ولما قدم العراق في آخر عمره؛ حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجوِّدها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدعْ عنك ـ يعني ابن القطان ـ"