الباحث: حسن عمر الطرابلسي.
الحمد لله الذي جعل القدرة على اكتساب العلم من طبيعة الإنسان، وحصه بها.
وحينما قالت الملائكة لله تعالى:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها .."فكان الإنسان بقدرته على اكتساب العلم مرشحًا لخلافة الله في الأرض.
أيها الأخوة الحضور.
بداية، لا بد من كلمة شكر للمجلس العلمي في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة طرابلس، ممثلًا برئيسه، على الجهود الحثيثة التي يقوم بها من أجل إقامة المؤتمرات الإسلامية. والتي إن دلت على شيء، فإنما تدل على تفعيل دور طرابلس كمدينة للعلم والعلماء من جهة، وتكشف من جهة ثانية آفاقًا جديدة لتصويب مسيرة العلم والعمل - في حقل الدعوة الإسلامية - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أما بعد،
فلقد كان للوقف أثره الكبير في نشر العلم والدعوة الإسلامية عبر القرون، فما كان أحد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر على الوقف إلا أوقفه. ثم كان للوقف أثره المشهود في الحفاظ على المدارس والمكتبات الإسلامية، وشهد التاريخ والواقع بأن العمل المؤسسي غالبًا ما يكون أصوب منهجًا وأكثر استقرارًا وأقوى أثرًا في تحقيق المراد. ولا يشك أحد في أن مثل هذا العمل يحتاج إلى مصادر مالية وافرة لتشد أزره، والحاجة أكبر إلى إدارة حكيمة، تدير عجلة مشروعاته وبرامجه، وتترجم آماله إلى أعمال، وأفكاره إلى واقع.
لا شك أن البعد الأصلي الذي بني عليه الوقف هو التقرب إلى الله وابتغاء مرضاته عن طريق أعمال إجتماعية يؤديها المسلم، يعود نفعها على المحتاجين من عباد الله، وبعبارة الحديث النبوي، عن طريق صدقة جارية يدوم نفعها وفضلها للعباد، ويدوم اجرها وحسناتها للمتصدق، ولكن البعد الديني للوقف يشمل إقامة شعائر الإسلام، وبناء المساجد، ونشر العلم، والجهاد ... وغيرها.
واحتل الوقف على المدارس والتعليم الديني، حيزًا كبيرًا في حياة المسلمين، وأورد جلال الدين السيوطي موقف الشيخ سراج الدين البلقيني حين استشاره أحد سلاطين المماليك في إنهاء الأوقاف، فحرم الشيخ إنهاء ما كان منها مخصصًا للمدراس والعلماء وطلبة العلم، وأباح إنهاء ما كان منها مخصصًا لأفراد من عائلات السلاطين السابقين. وبفضل الوقف شيدت المدارس والمعاهد في العالم الإسلامي من أدناه إلى أقصاه [1] .
وبمطالعة تاريخ المدارس العلمية في العالم الإسلامي يظهر فضل الأوقاف في إزدهار الحياة العلمية. ولم يقتصر تأثير الوقف وفضله على رفد المدارس وإمدادها بالموارد المالية الضرورية لسد حاجاتها، ولكن إمتد إلى التوجيه التربوي إذ كان يتدخل في توجيه العملية التعليمية، وفي تعيين العلوم والفنون التي يجب أن تدرس، وفي المقاييس والمؤهلات العلمية التي يجب أن تتوفر بالعالم الذي يتولى التدريس. وتعتبر الوثائق الوقفية، التي تنص على شروط الواقفين المتعلقة بهذا التوجيه التربوي بمثابة جداول تربوية، تنظم شؤون التعليم وتوضح الأسس والشروط التي يجب أن يقوم عليها. لذا، فإن لدوائر الأوقاف الإسلامية في لبنان دورًا أساسيًا في عمليتي الدعوة والتعليم، ويجب أن تكون الأوقاف المرجع والغطاء الشرعيين في هذا المجال.
وإنني في هذه العجالة سأستعرض تجربة تعليم القرآن الكريم في المدارس الرسمية، كثمرة تعاون بين دائرة الأوقاف الإسلامية في طرابلس وجمعية القرآن الكريم، التي كنت مديرًا مسؤولًا فيها عن منطقة الشمال.
حيث بدأت الرحلة مع بداية العام الدراسي (1410 - 1411 هـ/1989 - 1990 م) عندما فكرنا في جمعية القرآن الكريم أن ندرس حصة للقرآن الكريم - حفظًا وتلاوة وتدبرًا - إضافة إلى حصة التربية الإسلامية في المدارس الرسمية، على قاعدة اختيار مدرسين أكفاء، أصحاب اختصاص، أو ممن تتلمذ على قارئ أو شيخ قراء. وآثرنا أن يتم الاختيار بالتعاون مع دوائر الأوقاف، على أن تتكفل جمعية القرآن الكريم بدفع أجور حصص تدريس القرآن الكريم في المدارس الرسمية والخاصة. وإيمانًا منا بضرورة الحفاظ على مرجعية الأوقاف في التعليم الديني، عرضنا الفكرة على سماحة مفتي طرابلس الدكتور طه الصابونجي، وعلى رئيس المركز الإسلامي - الذي أصبح دائرة الأوقاف في عكار.
ولم نكن نعرف أن دوائر الأوقاف تختلف بين منطقة وأخرى، بل بين مزاجية شخص وآخر إذ إن تجربتنا تظهر الفرق الكبير بالتجاوب والتعاون بين دائرة طرابلس ودائرة عكار. ففي حين رحب صاحب السماحة مفتي طرابلس بفكرة إضافة حصة أسبوعية لتدريس القرآن الكريم في المدارس، وقال لي يومها"فلتكن سابقة"قال رئيس المركز الإسلامي في عكار إن الاتفاق الذي يتم التوصل إليه مع سماحة مفتي طرابلس بشأن تدريس حصة القرآن الكريم"يعتبر ملزمًا لنا ونتقيد به".
ولما لاقت الفكرة أذنًا صاغية لدى سماحة مفتي طرابلس، الذي أعطى توجيهاته إلى دائرة أوقاف طرابلس، وتحديدًا قسم التعليم الديني بإصدار تكليف لمدرس القرآن الكريم بمعدل حصة أسبوعية في المدارس الرسمية، تنكر رئيس المركز الإسلامي في عكار للأمر
(1) -المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافية - إيسيسكو - المغرب