ونقض الوعد الذي قطعه أمام الله، وقال: إن علاقته مباشرة مع سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية في بيروت، وهو لا يتقيد ولا تلزمه أية اتفاقات مع سماحة مفتي طرابلس.
ونحن إذ أردنا أن يكون التكليف من خلال دائرة الأوقاف، إنما أردنا حصر تكليف تدريس مادة التربية الدينية، ومادة القرآن الكريم بالجهة الرسمية المخولة إصدار التكاليف، رفعًا لشأنها، واحترامًا لموقعها، واقتناعًا بمرجعيتها وضرورة تفعيل دورها. علمًا أنه كان باستطاعتنا أن نصدر تكاليف باسم جمعية القرآن الكريم، وإدارات المدارس الرسمية والخاصة تتقبل المدرسين المنتدبين من قبلنا لتدريس مادة القرآن الكريم. وهذا ما حصل فعلًا في منطقة عكار، عندما تخلى المركز الإسلامي عن التعاون، بالرغم من أن مجلس إدارة المركز في اجتماع له معنا وبحضور رئيس المركز طلب منه التعاون مع جمعية القرآن الكريم، إذ إن المركز الإسلامي في عكار والذي كان يقوم بمهام دائرة الأوقاف آنذاك، لم يكلف مدرسين للتربية الدينية إلا بنسبة تقل عن 20% من المدارس الرسمية في عكار، بسبب ضعف الموازنة.
علمًا أننا في جمعية القرآن الكريم فرع الشمال كنا نغطي تدريس حصة القرآن الكريم في كل من طرابلس، دير عمار، المنية، الضنية وبعض مدارس الكورة بتعاون نموذجي مع دائرة أوقاف طرابلس، بينما انفردنا بتكليف المدرسين في مناطق عكار وهي: الشفت، القيطع، السهل، الدريب والجومة. وكانت دائرة أوقاف طرابلس قسم التعليم الديني تشارك الجمعية في اختيار المدرسين الذين كانوا يخضعون لاختيار يظهر استعداد المدرس للقيام بدوره، بدءًا من شخصيته، قدرته على التربية والتعليم، إتقانه لأحكام التلاوة وطرق تدريسها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان المدرس يخضع للقاءات دورية تبحث في أصول التدريس، وتركز على ثقافة المدرس وتأهيله، وتعلمه طرائق التدريس الحديثة، وعلم النفس التربوي، وعلم نفس الطفل، أسس التقويم وأساليبه، وكيفية إعداد الاختيارات. فضلًا عن الدورات المكثفة والتخصصية والتي شارك فيها نخبة من ذوي الاختصاص أمثال: الدكتور الشيخ محمود عبود هرموش، الأستاذ الجامعي الدكتور حسن الصديق، فضيلة الشيخ مصطفى ملص، ومدير الجمعية في الشمال فضلًا عن مشاركة دائرة أوقاف طرابلس جمعية القرآن الكريم، وضع منهج لكافة الصفوف في مراحل التعليم الثلاث، يحدد الأحكام والحفظ لكل صف ومرحلة وقد اعتمد تدريسه في جميع مدارس الشمال.
زد على ذلك أنه كانت تحصل منافسة في حفظ أجزاء من القرآن الكريم بين طلاب مدارس الشمال كافة عبر تصفيات محلية في الأقضية، وصولًا إلى التصفية النهائية على صعيد المحافظة. ويمنح المتفوقون من كافة المراحل"الثانوية - المتوسطة - والابتدائية"جوائز تكريمية تكون بمثابة تحفيظ وتشجيع لكافة الطلاب، حيث يحتفل بالمتفوقين في كل الشمال في احتفال مركز في طرابلس، يكرم فيه حفظة القرآن الكريم، يحضره حشد من العلماء الأجلاء، ويتحدث فيه وعلى مدى سنوات ثمان - هي عمر التجربة - فضيلة الشيخ سعيد شعبان رحمه الله وسماحة المفتي الشيخ طه الصابونجي حفظه الله.
وبما أن الأمر كان يعتمد على صدق مسلكية الموظفين وإخلاصهم وتعاونهم أكثر مما يعتمد على شكل من أشكال التنظيم الإداري، فإنني سأروي لكم حادثة مثيرة تبين إلى أي مدى بلغ استخفاف البعض بكتاب الله، إذ يصدق فيهم قول الشاعر:
وظلم ذوي القربي أشد مضاضة ... على المرء من ضرب الحسام المهند
وذلك أن أحد مفتشي دائرة الأوقاف الإسلامية في طرابلس، كان يزور مدرسة ابن سينا الرسمية في القبة، وكان مدرس التربية الدينية هو نفسه مدرس القرآن في المدرسة وحدث أن قابل مفتشين تربويين تابعين لجهاز التفتيش المركزي في المدرسة عينها، فأخذته الغيرة على النظام التربوي العام في لبنان، وخشي أن تُحَّرف حصة القرآن الكريم الأنظمة المرعية الإجراء، وقام مفتش دائرة الأوقاف الإسلامية في طرابلس بلفت نظر المفتشين التربويين، إلى أن مخالفة الأنظمة والقوانين تحدث في المدرسة، وفي معظم المدارس الرسمية في الشمال، حيث يقوم مدرس التربية الدينية بتدريس حصتين أسبوعيًا بدلًا من حصة واحدة، وهو يخصص واحدة للتربية الدينية، والثانية للقرآن الكريم، وهذا مخالف للنظام المدرسي الذي حدد حصة واحدة أسبوعيًا لتدريس الدين!
وهنا اضطر المفتشان لاستجواب مدير المدرسة، وطلبًا منه التقيد بالأنظمة المرعية الإجراء، والسماح بحصة واحدة فقط أسبوعيًا لكل شعبة في المدرسة تحت طائلة المسؤولية. وألغيت حصةالقرآن الكريم فعليًا على يد ومسعى من الشيخ المفتش، وبدأ التفتيش التربوي يلاحق الحصة الثانية في الأسبوع والمخصصة لتدريس القرآن الكريم، ليخسر أبناؤنا تلك"السابقة"
الحصة التي غصت بها مناهجنا التعليمية، واستعيض عنها بحصة الرقص والموسيقى والغناء والتكنولوجيا والكمبيوتر.
ولقد عاتب سماحة مفتي طرابلس المفتش المذكور، ودافع عن التجربة والتعاون، وعن الثمرة التي هي حصة القرآن الكريم.
وإليكم إحصاءً بيانيًا لهذه التجربة خلال ثمان سنوات يشكل عدد المدارس، والمعلمين والحصص والطلاب: (ربطًا أربعة رسوم بيانية) .
العام الدراسي ... عدد المدارس ... عدد المعلمين ... عدد الحصص أسبوعيًا ... عدد الطلاب
1410 - 1411 هـ ... 1989 - 1990 م
1411 - 1412 هـ