فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 5

ويعرف أن الله ربه، وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء 75، 77] . قد عرَف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون. قال: فليس أحد يشرك إلا وهو يؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي، تقول لبيك لا شريك له إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، المشركون كانوا يقولون هذا"روه ابن جرير الطبري في تفسيره. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويلكم قد قد" (أي: تفي) ، فيقولون: إلا شريكًا هو لك تملكه ومن ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت". فهذه حال أهل الشرك والتنديد في تلبيتهم، حيث يُدْخِلون مع الله في التلبية الشركاءَ والأندادَ، ويجعلون ملكها بيده ويقرُّون بأنها لا تملك شيئا، وهذا ضلال مبين ـ عافى الله أمّة الإسلام منه وهداهم إلى الإهلال بالتوحيد بتلك الكلمات النيِّرات"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". وقوله:"إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"متضمّن جملة من البراهين العظيمة على وجوب توحيد الله وإخلاص العبادة له، والإقبال عليه وحده بالذل والخضوع، والرغبة والرهبة والركوع والسجود، والخوف والرجاء وسائر أنواع العبادة، وتتلخص هذه البراهين في أمور خمسة: الأول: أن الحمد كله لله سبحانه، فهو تبارك وتعالى الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، المستحقّ لكل حمد ومحبة وثناء لما اتصف به من صفات الحمد التي هي صفات الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال، وهو سبحانه حميد من جميع الوجوه، لأن جميع أسمائه حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد وأحكامه حمد، وفضله وإحسانه إلى عباده حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمد، ووجِد بحمده، وظهر بحمده، وكانت الغاية منه هي حمده، وقد نبَّه الله سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه في أول الخلق وآخره، وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على تفرده بالإلهية وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق به من اتخاذ الولد والشريك إلى غير ذلك من أنواع ما حمد الله به نفسه في كتابه، وكلُّ ذلك برهان جليٌّ على أنه وحده المعبود بحقٍّ ولا معبودَ بحقٍّ سواه {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر 65] . الثاني: أنّ النعمة كلها لله؛ لهذا عرَّفها باللام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت