من أعظم الكمال، والملك وحده كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال، فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة، مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرّحمة، مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الدّاعي إلي محبته، كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله، وكان في ذكر العبد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبّها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"قاله ابن القيم رحمه الله في كتابه تهذيب السنن (2/ 339) .الخامس: في قوله:"لا شريك له"وقد تكرّرت في التلبية مرَّتين، مرة عقب إجابته بقوله"لبيك"، ومرة عقب قوله:"إنّ الحمد والنعمة لك والملك"فالأول يتضمّن أنه لا شريك له في إجابة هذه الدّعوة، والثاني يتضمّن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، وإذا تقرّر أن الحمد كله من الله، والنعمة كلها من الله، والملك كله له، ليس له شريك في ذلك بوجه من الوجوه فليُفرد وحده بالتلبية والخضوع والمحبّة والانقياد والطاعة والإذعان. وكيف يُجعل مع الله شريكا في العبادة من لا يملك في هذا الكون من قطمير، وليس له مع الله شركة في الملك، ولا يملك نفعًا ولا دفعًا، وليس بيده عطاءٌ ولا منع تعالى الله عما يشركون، بل إنّ الأمر كله لله لا شريك له وهذا من أبين ما يكون من دلالة على فساد الشرك، وأنّ أهله من أسفه الناس وأضلهم عن سواء السبيل. فهذه خمسة دلائل عظيمة وبراهين جليلة على وجوب التوحيد والإخلاص اشتملت عليها كلمات التلبية وأرشدت إليها بوضوح وجلا. وقد قال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما كما في صحيح مسلم عندما وصف حجّة النبيّ صلى الله عليه وسلم:"فأهلَّ بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"فوصف رضي الله عنه هذا الإهلال بأنه إهلاك بالتوحيد لما تضمنته كلمات التلبية من تحقيق الإخلاص ونبذ الشرك وإقامة الحجة والبرهان على ذلك، وفي هذا أيضا دلالة على أن هذه الكلمات ليست ألفاظًا مجرّدة لا تدلُّ على معان، بل لها معنى عظيم، ومدلول جليل، ألا وهو روح الدِّين وأساسه وأصله الذي عليه يبنى توحيد الله عزّ وجل. ولهذا فإن الواجب على كل من أهلَّ بهذه الكلمات أن يعرف ما دلَّت عليه من معنى، وأن يستحضر ما تضمّنته من دلالة وأن يحقِّق ذلك، ليكون صادقا في إهلاله، موافقًا كلامُه حقيقة حاله؛ بحيث يكون مستمسكًا بالتوحيد، محافظا عليه مراعيا لحقوقه، مجانبا لنواقضه وما يضاده من الشرك بالله، حذِرًا تمام الحذر من الوقوع فيه"