هكذا يتبين أن النظرة القديمة التقليدية للمجرم على أنه نوعية خاصة من البشر مما كان يضفي على الجريمة مسحة قوية من الغيبية لم يعد سليما في إطار المفهوم الجديد الذي يعتبر السلوك الإجرامي نوعا من (طرح البحر) نتيجة أمواج وتيارات متصارعة ومتلاطمة. ومن ثم لم نعد ننظر إلى المجرم على أنه مخلوق غريب لا يشبه بقية المواطنين ذلك أن عوامل الجريمة كامنة أساسا في المجتمع وقد خرجت إلى حد كبير عن المستوى الفردي إلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي وأصبحت قادرة على إسقاط جانب أكبر من المواطنين.
لقد تقدمنا كثيرا من المنطق اللمبروزي الذي يتحدث عن المجرم بطبيعته وأصبحنا ندرك أن كل إنسان جدير أن يتحول إلى مجرم لأن الانحراف والجريمة جزء ديناميكي متغير من مسار الحياة، وصفات الإنسان ذاته يمكن أن ترتفع به اجتماعيا أو تؤهله هي بذاتها لارتكاب الجريمة. فدراسة الجريمة هي دراسة الإنسان في مجتمع ديناميكي متغير أو بالأحرى هي صورة متحركة وليست صورة ثابتة. ويترتب على ذلك أن معظم اهتمامنا في مكافحة الجريمة ودراستها يتعين أن يتجه لدراسة أنماط السلوك المتغيرة وصلتها بالأوضاع الاجتماعية والوظائف الاجتماعية فإن كل تغير اجتماعي اقتصادي يتولد عنه أنماط وصيغ متجددة من السلوك الانحرافي مرتبطة بعناصر جديدة تنتقل إلى الصورة أو تفاعل جديد بهذه العناصر. في كلمة واحدة علينا أن نقلل من النظر إلى الجريمة على أنها (ميستيك) وأن يزيد نظرنا إليها على أنها نقد للمجتمع أي (كريتيك) . ويترتب على هذا النظر أن تتجه إلى المجتمع ذاته لمحاولة ضبطه بقدر الإمكان لكي لا يترتب على تغيره وتطوره مزيد من عدم التكيف والانحراف.
وجماع ما تقدم أن المفهوم للجريمة أن جماعة المجرمين جماعة خاصة معزولة نطوقها ونسعى إلى الخلاص منها أما النظرة الحديثة فهي أن الجريمة قدر الجماعة كالغذاء والشراب وإنها تتغير بصفة مستمرة وعلى آفاق جديدة لا يمكن حصرها أو الهرب منها وعلى كل مجتمع أن يسعى ما وسعه ذلك للتخفيف من عبء الجريمة عن المجتمع وصولا لتحقيق نوعية أفضل من الحياة.
إن مفهوم الجريمة مفهوم عريض جدا ومتعدد وإن كان الميل التقليدي هو عادة إلى أن نفكر في الجرائم التقليدية كلما ذكرت كلمة الجريمة، فنحن نفكر فورا في السرقة والقتل والاغتصاب ومثلها من الجرائم التي أطلق عليها بعض العلماء الجرائم الطبيعية أي التي توجد في كل مجتمع وفي كل زمان ومكان، إلا أن أفق الجريمة قد اتسع كثيرا بتعقد المجتمع البشري بصفة مضطردة وفكرة التحريم التي كانت مستغرقة في التعاليم الدينية والأخلاقية قد انطلقت انطلاقا حادا وأصبح التجريم يتناول أفعالا كثيرة لا نجد لها جذورا دينية أو حتى أخلاقية فالقوانين تسن على أساس المصالح في مجتمع معين في زمن معين. بل قد يخرج من نطاق التجريم بعض الأفعال التي تتنافى والخلق والضمير ومثال ذلك انحسار نطاق التجريم في المجالات الجنسية بحيث أصبح مقتصرا تقريبا على الاغتصاب والإكراه الجنسي في كثير من التشريعات.
وعلى أي حال فإن ما يجعل أمرا ما جرمية هو في نهاية الأمر إرادة المشرع الذي يعبر عن مجتمعه ونعني بذلك أن الجريمة من صنع قانون العقوبات أي أنها حقيقة قانونية، وهذا لا ينفي