أن إرادة المشرع إرادة معبرة عن المجتمع وليست منفصلة عن نبضه وبالتالي فإن الجريمة حقيقة اجتماعية أيضا يسنها المشرع الذي يعمل في فراغ بل يتحرك تحت ضغط فلسفات وعقائد وعوامل اجتماعية واقتصادية. ومع ذلك فعلينا أن نعترف بتخلف القاعدة القانونية أحيانا عن الحقيقة الاجتماعية أو العكس.
ولا شك أن الصورة الحديثة للجريمة أصبحت أكثر خطورة وتعقيدا وأنها أيضا أكثر عقلانية أي نشاطا محسوبا ومقصودا أكثر منها انزلاقا إلى طريق الجريمة لها صور"منظمة"وعصابات دولية قوية مسيطرة. إن الجريمة في صورتها الجديدة لم تعد نصيب الفقراء والمطحونين كما كان الأمر عندما كان قانون العقوبات يسمى بقانون الدهماء ذلك أن النشاط الإجرامي قد أصبح أيضا نصيب الخاصة وأصحاب النفوذ والثراء.
لم تعد الجريمة إذن في صورتها التقليدية التي يعرفها عامة الناس واعتادوا على ربطها بالتخلف. والواقع أن الجريمة لا صلة لها بالتخلف أو التقدم أو رفع مستوى المعيشة أو المستوى التعليمي بل إن المفارقة هي أن الجريمة قد تكون أقل في المجتمعات الشديدة التخلف أي المجتمعات الراكدة التي لا تنشط فيها عناصر التطور والتنمية والتغير الاجتماعي، فإذا ما حدث ذلك فلابد من اختلال العلاقات وظهور السلوك الانحرافي والذي قد ينسب عندئذ للتفكك القيمي وهو أمر ليس بهذا السوء إذ يكون أحيانا مقدمة للتطور الاقتصادي والاجتماعي.
كما أصبحنا نعرف الآن أن الجريمة ليست نتاج الحاجة والعوز في كل الأحوال فهناك إجرام الرفاهية وكثرة المال الذي يغرى بالانطلاق ويخلق مشاعر الجشع واللامبالاة. وهنا نكرر أن المجرم ليس نسيجا فريدا أو فئة خاصة ولكنه الإنسان حيث يكون عندما تتجمع وتتفاعل العناصر والظروف والفرص وتدفعه إلى طريق الانحراف.
ونود أن نؤكد أن هناك مفارقة. إن تطوير المجتمع وتنمية الاقتصاد يحمل في ثناياه بذور عدم التكيف وانحرافات السلوك لأن الجمود وحده هو الذي يضمن بقاء الجريمة على حالها كما ونوعا وبالتالي فإن التنمية الاقتصادية والاجتماعية يسير في ركابهما قدر كبير من الجريمة والانحراف تتأثر به نوعية الحياة تماما كالإنتاج الصناعي الذي ينتج عنه مخلفات ضارة تؤدي إلى تلوث البيئة المادية ويعني هذا أن أفضل وسيلة للوقاية العامة من الجريمة ومعيار نجاح السياسة الوقائية هو أن تكون هناك سياسة دفاع اجتماعي تسير في ركاب سياسات التنمية في محاولة لتقليل الفاقد الاجتماعي بكل صوره.
ولا يعني ما تقدم أنا نلوم عمليات التنمية القومية ونحملها عبء الجريمة. إن التنمية الاقتصادية والاجتماعية كنشر التعليم والأخذ بالتصنيع تعكس تطورا طبيعيا ولكن هناك زلازل اقتصادية اجتماعية تخل بالتوازن الواجب بين التنمية الاجتماعية وقد رأينا هذا بشكل واضح في تدفق الثورة البترولية الذي أحدث ثورة اقتصادية اجتماعية في المنطقة العربية لا يمكن أن نرحب بكل