ما أسفرت عنه من نتائج. إن هذه الثورة الهائلة لم تؤد إلى تحسين نوعية الحياة في المنطقة العربية رغم الارتفاع المذهل في الدخل وارتفاع مستوى المعيشة.
إن التغير الاجتماعي الذي يشهده العصر الحديث وسرعة إيقاعه شيء لم يعد مجالا للجدل وقد أثرت الكشوف العلمية والمنجزات التكنولوجية ونمو وسائل الاتصال في الفكر البشري والقدرة الإنتاجية والاقتصادية والسلوك بصفة عامة. وقد ترك كل هذا بصمة واضحة على عقلية الإنسان وهز اهتماماته القديمة وشجعه على الانطلاق بعيدا عن المسلمات التي كبلته وسيطرت على فكره أزمنة طويلة وأثرت في مباديء مستتبة ومرتبطة بالاعتقاد بما في ذلك النظرة إلى المرأة والنظرة إلى الترفيه والنظرة إلى الجنس والنظرة إلى العنصرية. هذا الخضم الذي خاضته البشرية في القرنين الأخيرين من الزمان كان له ولا شك أثر على السلوك البشري وعلى معنى الانحراف والإثم والجريمة.
ونبدأ بالقول بأن الغرب عرف فكرة الحرية نتيجة للفكاك س أسر الكنيسة وانطلاق الفكر البشري في مجالات العلم والفلسفة وهكذا شهد القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين مزيدا من الحريات والاهتمام بحقوق الفرد إزاء السلطة والمجتمع.
وقد أدى مناخ الحرية إلى التحرر من رق القهر والاستعمار في ضوء حق تقرير المصير وفي ضوء مباديء المساواة التي بشرت بها الثورة الفرنسية. ومن الناحية الاقتصادية ظهر الاقتصاد الحر وظهرت الطبقة المتوسطة التي تملك رؤوس الأموال وضعف نفوذ الإقطاع وكان لابد أن يكون للاقتصاد الحر وضعف التقاليد الإقطاعية أثر على القيم والسلوك وظهور قيم جديدة. كما يمكن أن يقال إنه كان بداية لتحرر الشباب من سيطرة الكبار كما كان إيذانا بتحرير المرأة وانطلاقها بعيدا عن التقاليد والمعتقدات التي تضعها في درجة أقل من الرجل.
فإذا أضيف إلى هذا ما جاء به القرن العشرون وبالذات النصف الثاني منه من كشوف علمية مذهلة متتابعة وثورة المواصلات والاتصالات واندثار آخر بقايا الفكر القائم على المسلمات الثابتة وغلبة المادية النفعية على الاعتبارات الأخلاقية فقد انطلقت الآراء والمذاهب تتصارع لتقضي على البقية الباقية من الشعور بأن هناك قيما ومباديء أبدية ومقدسة لا يمكن المساس بها. هذا المناخ الفكري الحديث الذي عرفه العالم في النصف قرن الماضي على أكثر تقدير كان من الضروري أن يؤثر تأثيرا عميقا على السلوك وربما كان هذا الإسراف في إهدار القيم السائدة وإنكارها مسئولا عن ظهور الحركات العكسية التي تنادي بهجر الحاضر والتنديد الشامل به ورفضه والعودة إلى الماضي بكل ملامحه.
وقد برزت في هذه المرحلة الجرائم الاقتصادية. ولا نقصد بالجريمة الاقتصادية جرائم المال المعروفة كالسرقة والاحتيال بل نقصد الجرائم ذات التأثير في النظام الاقتصادي والتي أدت إلى دخول نفر من الناس ليسوا من الضعفاء والدهماء إلى مجال الجريمة. واليوم تبدو جرائم الضعفاء قليلة الأهمية بالنسبة إلى جرائم القادرين والكبار والسادة وأصحاب المال وذلك نتيجة