أما موقف ابن تيمية من النسخ فهو واضح لا غبار عليه، يجعله خاصًا وقاصرًا على رفع حكم النص، وموافقًا بذلك جمهور الأصوليين، فهو عنده لا يكون إلا في الأحكام من أوامر ونواهٍ، ولا يكون في الأخبار والعقائد. ولا يقبل ابن تيمية نسخ القرآن بالسنة لأنها ليست أعلى منه مرتبة وفضلًا، وكذلك الشأن عنده في نسخ القرآن بالإجماع فهو لا يحدث تمامًا وهو رأي الجمهور أيضًا. ويذهب ابن تيمية إلى القول بحجية الإجماع موافقًا في ذلك جمهور العلماء، وهو ينفي بناء الإجماع على القياس معتمدًا على الواقع، فما دام النص يجوز أن يكون هو مستند الإجماع، فلا ينبغي العدول عنه في رأيه. لا سيما أن القطعي منه يترتب على إنكاره تكفير المنكر، فمن غير المعقول أن يكون أصله مبنيًا على دليل ظني يجوز أن تختلف فيه أنظار العلماء.
أنهى المؤلف كتابه بالتعرض لمنهج ابن تيمية في الاحتكام إلى العقل فجعله الباب الرابع من مؤلفه، فالعقل في نظر ابن تيمية ليس جوهرًا قائمًا بنفسه ولا علومًا ثابتة موجودة عند كل إنسان، وإنما هو عرَض وصفة يكتسبها الإنسان، وعلوم يحصل عليها بواسطة الغريزة الموجودة فيه بالقوة، والثابت عند كل إنسان هو العقل الفطري (الغريزي) وهو موجود لدى جميع الناس، والمتغير هو العقل الإكتسابي، وهذا يحدث فيه التفاضل، فبقدر تحصيل العلوم والمعارف بقدر ما يسمو عقل المحصِّل للعلم. إن المعرفة العقلية نسبية عند ابن تيمية، لهذا يحتاج الإنسان إلى مصادر معرفية أحرى كالحس والنقل. فالاعتماد على القضايا الحسية ضروري في المعرفة العقلية، إذ بدونها تكون أحكامه مجردة من اليقين وعارية من الأدلة الواقعية الشاهدة على صدقها. وكذلك الشأن بالنسبة للقضايا النقلية الشرعية فهي لازمة لأية معرفة عقلية، لا سيما في القضايا المعنوية التي ليست لها قيمة محددة وثابتة. فالعقل إذن وحده لا يمكنه الاهتداء إلى معرفة الشؤون المعنوية وموازين الخير والشر، والحسن