اعداد حسين عبد المطلب الأسرج
ما إن بدأت الثورة في تونس تحت شعار"الشعب يريد إسقاط النظام"حتى انتقلت ثورة الياسمين الى مصر ومن بعدها الى اليمن فليبيا وأخيرًا وربما ليس آخر حطّت رحالها في سورية. وأما الحركات الاحتجاجية فقد بلغت جميع أنحاء الوطن العربي وان كانت متفاوتة الشدة والطبيعة. ويراهن الكثيرون على أهمية النتائج الأولية لـ «الربيع العربي» رغم حذرهم الشديد. فالجماهير المليونية أسقطت أربعة أنظمة استبدادية في مصر واليمن وتونس وليبيا،، ويبدو أن العرب دخلوا فعلًا في عصر جديد، هو عصر الجماهير التي خرجت من سباتها بعدما كانت وُصفت بأنها مصابة بـ"موت سياسي".
تعددت التسميات وتفاوتت حدّتها ... ثورات، انتفاضات، احتجاجات.، لكن المعنى الأكيد أن العرب استهلوا كتابة تاريخ جديد تحت رافعة"ثلاثية"الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي الواقع، فقد كان الشأن الاقتصادي والاجتماعي حاضرًا بشدة في خلفية مشهد حركات الاحتجاج وحتى في مقدمته، مما يشير صراحة إلى وجود علاقة مباشرة (أو غير مباشرة) بين هذه الحركات وما يؤمل منها من تغيرات اقتصادية واجتماعية، وبين متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأهدافها بل يمكن القول بأن التنمية ومتطلباتها وأهدافها، كانت هي مَن ألهمت تلك الحركات من المعاناة والضيق والتهميش والإقصاء الذي أحدثته السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة، التي كان جوهرها التحول نحو اقتصاد السوق وسيطرة القطاع الخاص على مفاصل الاقتصاد وقيادته، وما نجم عن ذلك من بطالة وفقر وفساد وانحسار للطبقة الوسطى مع تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
ولا شك في أن الهزات السياسية التي شهدها العام المنصرم في العالم العربي تركت تأثيرا سلبيا على حالة التنمية الاقتصادية وعلى آفاق النمو الاقتصادي. حيث لحقت اضرار بالغة بالقطاع السياحي الذي تشكل عائداته في تونس ومصر جزءا كبيرا من واردات الدولة ويوفر العمالة ويساعد في حل مشكلة البطالة. ومن المشاكل الأخرى فرار الرساميل من بعض الأقطار العربية ونشوء مناخ اقتصادي سلبي يخيف المستثمرين. وبهذا الخصوص يبدي الكثيرون مخاوف من ان الأحداث الثورية المتواصلة يمكن ان تؤزم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما يولّد بدوره انفجارات اجتماعية جديدة ويغيّب الاستقرار لأمد طويل.
ولكن يُلاحَظ من جهة أخرى أن مجلس التعاون الخليجي ظل محصنا إلى حد كبير من التأثير السلبي للاضطرابات الاجتماعية في المنطقة، بل إنه استفاد من ارتفاع أسعار النفط (التي زادت بنسبة 31 % عن مستويات عام 2010) ، وزادت أحجام صادراته النفطية. وإضافة إلى ذلك، قامت المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة بزيادة إنتاجها النفطي لتعويض نقص الإنتاج الليبي، كما دعمت قطر طاقتها الإنتاجية في مجال الغاز الطبيعي المسال. وأحدثت هذه المبادرات آثارا إيجابية أوسع نطاقا ساعدت على استقرار أسواق الطاقة الدولية.
ويتفق كثير من الخبراء والمحللين على وجود ثلاثة أسباب رئيسة كانت وراء اندلاع الحركات الاحتجاجية في البلدان العربية، وهي باختصار: غياب الديمقراطية، والذي كان يعني سيطرة الحزب الواحد والرئيس المخلد الذي يورث الحكم لابنه من بعده، وانسداد الأفق السياسي الذي كان يحرم الجماهير من حقها في المشاركة السياسية، مع ممارسة القمع والتنكيل وتكميم الأفواه، وثاني الأسباب هو تردي الأوضاع العربية على نحو خطير في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي كان يعني انتشار البطالة والفقر والتخلف واتساع الهوة بين العالم العربي والعالم الخارجي حضاريا وتقنيا، السبب الثالث كان فساد الأنظمة وغياب العدالة الاجتماعية، بشكل