الصفحة 37 من 125

ظنهم، وقد تقطعت بهم الأسباب بعد ذاك التطاول والشموخ والاستعلاء، فما أغنى عنهم ما جمعوا من العدة والعدد، والخول والخدم، والمال والعقار، كلها ذهبت هباءً، وتطايرت في مهب الاحلام، فلا جمع ولا استكبار، بل خنوع وخضوع، وذل وإذلال، وليت الأمر وقف بهم عند هذا الملحظ بل صكهم الاستفهام التقريري بالاشارة إلى أهل الجنة بما أفاضه أهل الأعراف: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ) الأعراف / 49. «أي هؤلاء هم الذين كنتم تجزمون قولًا أنهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبودية خير، وإصابة الخير هي نيله تعالى إياهم برحمة، ووقوع النكرة - برحمة - في حيز النفي يفيد استغراق النفي للجنس، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كل خير» (1) .

ثم تعالى صوت أهل الاعراف لأولئك المستضعفين من المؤمنين، بتفويض خاص، وبأمر خاص من الله دون ريب قائلين لهم (ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) الأعراف / 49. وهو أمر من رجال الأعراف لأصحاب الجنة بدخول الجنة بعد تقرير حالهم عند الكفرة بالاستفهام، وكان الأمر نهائيًا بتخويل نهائي لا يجزأ ولا ينشطر، ولا يرد ولا يبدل، لأنه إقترن بإشاءة الله وإرادته، ولا رادّ لذلك.

إذن من هم رجال الأعراف، وأصحاب الاعراف في سورة الأعراف؟

المروي عن الامام الباقر أنه قال: «هم أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى» (2) . وهذا إجمال يفصله الامام الباقر نفسه ويبينه في رواية أخرى وقد سئل ما يعني بقوله تعالى (وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ) ، قال الباقر 7: «ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح، قلت بلى: فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلًا بسيماهم» (3) .

وهم لدى المفسرين: إما أن يكونوا رجالًا مخصوصين بالحباء

(1) الطباطبائي، الميزان: 8/ 132.

(2) المصدر نفسه: 8/ 144.

(3) العياشي، التفسير: 1/ 280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت