فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18 ) ) (1) ثم نقل من هذا المعنى وأصبح إسمًا لكلام الله تعالى، ولا نميل إلى ما رجحه بعض المحدثين من أن العرب عرفوا القراءة لا بمعنى التلاوة، بل أخذوها عن أصل آرامي لذلك، وكان ذلك كافيًا لتعريبه، وإستعمال الإسلام له في تسميته كتابه الكريم (2) : بل الله سماه بذلك: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78 ) ) (3) وعلى ذلك لغة العرب دون أصل أجنبي (4) .
وقد سبق في لوح الغيب أن اللغة العربية أشرف اللغات وأنصعها، فأختارها الله تعالى لأشرف كتبه، حتى أثبتت الدراسات المعاصرة إمتياز العربية وأولويتها في سلامتها وفصاحتها وأصالتها، وهي تنطلق من صحارى الجزيرة، ومفاوز الحجاز، مخترقة مناخها الاقليمي، وبقعتها الجغرافية إلى بقاع العالم، ضاربة بأطنابها صوب المغرب والمشرق، مما عجزت عن تحقيقه اللغات الحية، وقصرت عن تناوله فصائل اللغات السامية، حتى هجر جملة من علماء الإسلام ألسنة لغاتهم الأصلية، تمحّضوا للغة القرآن فاحصين وباحثين، فذاع صيتهم في الآفاق، واشتهروا باسم العربية.
وكان القرآن الكريم أصل إفتتانهم بلغة العرب، وأسلوبه مصدر حياتهم اللغوية المتنوعة، فتعددت المعارف، وتفتحت المدارك، فكانت الإسهامات الحضارية، والنقلة الثقافية تغزو المجتمعات والامم والشعوب والقبائل، وتحرر العقول والذهنيات والألباب، قال ابن قتيبة (ت: 276 ه) : «إنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وإفتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات» (5) .
وكانت لغة قريش هي الأصل الذي نزل به القرآن على أفصح قريش
(1) القيامة: 17 - 18.
(2) صبحي الصالح، مباحث في علوم القرآن: 12.
(3) الواقعة: 77 - 78.
(4) ظ: ابن منظور، لسان العرب: مادة: قرأ.
(5) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن: 11.