الصفحة 67 من 125

فيما نسب إليه «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش» (1) فكانت هذه اللغة مصونة بالقرآن، ومحفوظة به، نتيجة تضافر جهود علماء العروبة والإسلام في نفي الشوائب، ودرئ الأخطار حتى سلمت هذه اللغة من التدهور والانحطاط اللذين عرضا لجملة من لغات العالم، وعلى العكس من ذلك فقد إرتفعت لغة القرآن عن مستوى الانصهار في غيرها من اللغات، وإعتصمت بمخزونها عن الدخيل من الألفاظ، وهي بين هذه وذاك تصارع حركات العامية، وتدحض شُبه الانقضاض على التراث، وتسمو عن مسيرة الإذابة بالرطانات الأعجمية واللهجات الاقليمية، حتى كتب لها الخلود ببركة القرآن العظيم، وظلت رمز الشموخ الوضاء.

لا أريد التوسع في هذا الملحظ، ولا التأكيد على هذا الجانب، فهما من البداهة بمكان، بل أحاول الاشارة من خلال ثلاث ظواهر جديرة بلفت النظر العلمي، كانت أساسًا صلبًا لحفاظ القرآن المجيد على أصالة العربية:

الظاهرة الأولى:

وتتجلى في تسيير القرآن الكريم لعلومه المثلى، وفنون معارفه العليا، مما أعطى ظاهرة ذات ذائقة جديدة، ولجت أبواب الوعي العربي في التصنيف والتأليف والبحث الجدي والمتابعة الفذة من قبل فحول العلماء وعلية القوم، وكان تفسير القرآن يمثل الشطر الاكبر من هذه الظاهرة، فبدأت مصادره تتألق، وموارده تتواكب، فكانت مدرسة مكة المكرمة، ومدرسة المدينة المنورة، ومدرسة الكوفة في تفسير القرآن الكريم، معلمًا بارزًا من معالم رفد العربية بكل ما هو أصيل ومبتكر، فكانت مدرسة مكة، وهي أندر عطاء، وأغلى قيمة، تستمد قوامها من النبي وآله وأصحابه، وكان قوامها النخبة الرائدة من أصحاب ابن عباس (ت: 68 ه‍) وابن عباس نفسه، ومولاه عكرمة (ت: 104 ه‍) ومجاهد بن جبر (ت: 103 ه‍) وأمثالهما من الرواد الأوائل

(1) ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت