الصفحة 96 من 125

وآية الأعراف مكية سبقت هذه الآية المدنية، والإثم هناك منصوص عليه إما بإعتباره خمرًا، وإما بإعتبار الآية تحرم مطلق الاثم، والخمر أجد مصاديق هذا الاثم. وفي هذه الآية على إقتراف الاثم، وإقتراف الاثم من المحرمات، فالخمر حرام بدلالة الآيتين معًا. وهذا مَعلَمٌ دقيق المسلك.

رابعًا: ولدى تجاوز المسلمين - بعضهم بالطبع - بعض هذه التعليمات الصريحة في دلالتها نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (1) وفي الآية نهي صريح عن مقاربة الصلاة حال السكر متلبسين بذلك، وفيه إشارة إلى تحريم السكر قبل الصلاة لأن الاتجاه بالصلاة إلى الله ينافيه ابطال العمل بالسكر، فالمعنى ليس لكم أن تسكروا وتتجهوا إلى الصلاة، فللصلاة مقام عظيم في نهج المرء التعبدي، وهذا المقام ينبغي أن يضل ملازمًا للطهارة الروحية والبدنية، والسيطرة في تخليص النفس من الرجس العارض لتلك الطهارة إنما يتم بالعقل المسيطر في إدراك علمًا يقينيًا بعيدًا عن التلوث والتدرن بسكر الخمر، فإذا لم يعلم ما يقول، وقد فقد أعز ما يملك وهو العقل الدال على إرادة فعل الصلاة إمتثالًا للأمر المولوي فلا معنى لتلك العبادة الفاقدة لشرائطها في الانتهاء عن الخمر، فإذا هم انتهوا عن ذلك، وطهروا نفوسهم عن شربها، ولا معنى لامتثال أمره تعالى مع عبادة غيره، لا سيما وأن هذه العبادة بالذات تقتضي حضور القلب، ولا حضور لغائب العقل حتى يعلم ما يقول، وكيف له أن يعلم ما يقول وهو يعاقر الخمرة التي تذهب بالعقول.

وليس المراد أن الصلاة قد تصح من السكران لو علم ما قال، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين بل على العكس.

قال الطبرسي «وفي الآية دلالة على أن السكران لا تصح صلاته، وقد حصل الاجماع على أنه يلزمه القضاء» (2) . وقد تأتي سكارى بالمعنى

(1) النساء: 43.

(2) الطبرسي، مجمع البيان: 2/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت