الصفحة 95 من 125

يتمتعون به من اللهو واللعب والعربدة في الاجتماع عليهما.

إلا أن الله عز وجل عقب على ذلك بقوله تعالى فرقانًا بين الآمرين «وإثمهما أكبر من نفعهما» إذن: ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من النفع، وعبر تعالى بأكبر دون أكثر مع العلم أن الكبر يستعمل في قياس الاحجام، كما أن الكثرة تستعمل في المعدودات، فإن الملحظ غير هذا باعتبارهما وصفين يتعلقان بالقياس النظري أو التطبيقي «فهما وصفان إضافيان بمعنى أن الجسم أو الحجم يكون كبيرًا بالنسبة إلى آخر أصغر منه، وهو بعينه صغير بالنسبة إلى آخر أكبر منه، ولولا المقايسة والاضافة لم يكن كبر ولا صغر، كما لا يكون كثرة ولا قلة، ويشبه أن يكون أول ما تنبه الناس لمعنى الكبر إنما تنبهوا له في الأحجام التي هي من الكميات المتصلة وهي جسمانية، ثم إنتقلوا من الصور إلى المعاني، فاطّردوا معنى الكبر والصّغر فيها» (1) .

وهذا النفع المتصور ينحصر بالمضاربات المالية وما يترتب عليها في البيع والشراء، وما يصاحب ذلك من العبث واللهو والاسراف في كل من الخمر والميسر، وكل أولئك منافع على سبيل الحياة الدنيا فهي من المعاني الاعتبارية الزائلة؛ ولكن الاثم بهما مما يوجب الغضب المطبق في الآخرة، ويستنزل سخط الباري، وهذا مما لا يقوم له شيء، فالأثم إذن أكبر من النفع.

قال الطبرسي (ت: 548 ه‍) وفي الآية تحريم الخمر من وجهتين: (أحدهما) قوله: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ) فإنه إذا زادت مضرة الشيء على منفعته إقتضى العقل الامتناع عنه.

(الثاني) أنه بيّن أن فيهما الاثم، وقد حرم في آية أخرى الأثم فقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ) (2) إنتهى كلام الطبرسي أعلى الله مقامه (3) .

(1) محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 2/ 196.

(2) الأعراف: 33.

(3) الطبرسي، مجمع البيان: 1/ 316.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت