فهرس الكتاب
الأوّل: أن يتفاضلوا في الفضائل والنعم، فيغار أحدهم ممن هو فوقه، فيحسده ويبغي عليه، وعليه حديث أبي موسى.
والثاني: أن يكون أحدهم عالمًا، فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو أحرص على صلاح أهله من صلاح غيرهم، وأولى أن يبدأ بهم في النصيحة كما قال الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [سورة الشعراء: 214] .
وروى ابن عساكر، وغيره عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء يحدث الناس ويفتيهم، وولده وأهل بيته جلوس في جانب يتحدثون، فقيل له: يا أبا الدرداء! ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟
قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ في الأَنْبِياءِ وَأَشَدَّهُمْ عَلَيْهِمُ الأَقْرَبُونَ".
ثمَّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ في العالِمِ أَهْلُهُ حَتَّى يُفارِقَهُم".
وقلت في المعنى: من الخفيف
أَزْهَدُ الناسِ في الْحَكِيْمِ قَرِيْبُهْ ... إِنْ يغيضا بِالنُّصْحِ صارَ حَبِيبُهْ
إِنَّ لِلنّصْحِ سَطْوَةً ضاقَ مِنْها ... مِنْ فُؤادِ الّذِي نَصَحْتَ رَحِيْبُه
كَمْ حَكِيْمٍ قَلاهُ لِلنُّصْحِ جارٌ ... وَحَفاهُ ابْنُ خالِهِ وَرَقِيْبُه
والرقيب هنا: ابن العم.
واعلم أنه كما ابتلي موسى عليه السلام بقارون وهو ابن عمه أو عمه، ابتلي محمد - صلى الله عليه وسلم - بعمه أبي لهب.
وقد قص الله تعالى أذية قارون لموسى في طي قوله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [سورة القصص: 76] ، وهو طي بالنشر أشبه، وإشارة إلى التَّصريح أقرب.
ولمح بأذية أبي لهب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - تلميحًا، فقال تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [سورة المسد: 1 - 2] .
وصبر - صلى الله عليه وسلم - على أذية أبي لهب امتثالًا لقوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [سورة الأحقاف: 35] .
وموسى عليه الصَّلاة والسَّلام من أولي العزم اتفاقًا.