فهرس الكتاب
وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ مَنِ اتَّقَاهُ عَلَّمَهُ، أَيْ يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ نُورًا يَفْهَمُ بِهِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ، وَقَدْ يَجْعَلُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ ابْتِدَاءً فُرْقَانًا، أَيْ فَيْصَلًا يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) . والله أعلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)
خَصَّ الْقَلْبَ بِالذِّكْرِ إِذِ الْكَتْمُ مِنْ أَفْعَالِهِ، وَإِذْ هُوَ الْمُضْغَةُ الَّتِي بِصَلَاحِهَا يَصْلُحُ الْجَسَدُ كُلُّهُ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنِ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.
وَقَالَ الْكِيَا: لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَلَّا يُؤَدِّيَهَا وَتَرَكَ أَدَاءَهَا بِاللِّسَانِ رَجَعَ الْمَأْثَمُ إِلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا.
فَقَوْلُهُ: (آثِمٌ قَلْبُهُ) مَجَازٌ، وَهُوَ آكَدُ مِنَ الْحَقِيقَةِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَعِيدِ، وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ الْبَيَانِ وَلَطِيفِ الْإِعْرَابِ عَنِ الْمَعَانِي.
يُقَالُ: إِثْمُ الْقَلْبِ سَبَبُ مَسْخِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا مَسَخَ قَلْبًا جَعَلَهُ مُنَافِقًا وَطَبَعَ عَلَيْهِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ.
(فائدة)
اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الشَّهَادَةِ وَالْكِتَابَةِ لِمُرَاعَاةِ صَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَنَفْيِ التَّنَازُعِ الْمُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ، لِئَلَّا يُسَوِّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ جُحُودَ الْحَقِّ وَتَجَاوُزَ مَا حَدَّ لَهُ الشَّرْعُ، أَوْ تَرْكِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحَقِّ، وَلِأَجْلِهِ حَرَّمَ الشَّرْعُ الْبِيَاعَاتِ الْمَجْهُولَةَ الَّتِي اعْتِيَادُهَا يُؤَدِّي إِلَى الِاخْتِلَافِ وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِيقَاعِ التَّضَاغُنِ وَالتَّبَايُنِ.
فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَيْسِرِ وَالْقِمَارِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) الْآيَةَ.