فهرس الكتاب
... إنما يعمل الإسلام أولا لمنع الأسباب التي تؤدى إلى الجريمة، بأن يكفل للفرد كل الضمانات المعقولة التي من شأنها أن تجعل الفرد السوى لا يفكر فِي الجريمة أصلا، ولا يجد مسوغا لها. فإذا ارتكب الجريمة بعد ذلك، فهو غير معذور. ثم إن العقوبة الرادعة التي تقررها الشريعة هي ذاتها وسيلة لأن تجعل الجانى يفكر مرات قبل أن يقدم على الجريمة، فإذا أقدم بعد ذلك، وليس له عذر ولا مسوغ معقول، وفيه استهتار وعدم مبالاة، فالإشفاق عليه، وتخفيف العقوبة عنه، يعدان نشر للجريمة فِي الواقع وتشجيعا عليها، ولا يعتبر علاجا ناجعا لحماية المجتمع من الجريمة. والواقع الذي يعيشه الغرب، الذي يأخذ بنظريات علم النفس التحليلى، والدراسات الاجتماعية التي تنظر بعين الفرد ضد الجماعة، يشهد بصدق ما نقول. فالجرائم هناك من الكثرة والشيوع بحيث تعد بالثانية، لا باليوم ولا بالساعة ولا بالدقيقة، فيقال: تحدث فِي كل ثانية كذا جريمة قتل، وكذا جريمة سرقة، وكذا جريمة اغتصاب، وكذا .. وكذا ، من صنوف الجرائم!... إن الإسلام ينظر فِي دوافع الجريمة عند الفرد فيعمل على تلافيها قبل وقوعها، أو جعل مرتكبها غير معذور فِي ارتكابها، فإن وجد أنه معذور فعلا فالشريعة تقول: (( ادرءوا الحدود بالشبهات ) ) (1) !... دافع السرقة هو الجوع 00 والإسلام يسعى - بوسائله المختلفة - ألا يكون فِي المجتمع جائع يضطره الجوع إلى السرقة، فإن وجد الجوع فإنه يدرأ الحد، كما فعل عمر رضي الله عنه، فِي عام الرمادة، حين جاع الناس، فأوقف تطبيق حد السرقة لوجود الشبهة، ولم يكن ذلك منه إبطالاً للشريعة كما يرجف المرجفون، إنما كان هو التطبيق الواعى الصحيح لشريعة الله.
(1) رواه أبو يعلى والبيهقى وابن ماجه، وعبد الرازق والطبرانى وابن أبى شيبه 0