ومن هذا المنطلق أخذ الله تعالى قارون ، وهو الفتوة ، ورمز الغِنى والجاه بين قومه ، فقال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ موسى ...} [القصص: 76] إذن: حينما نتأمل حياة موسى عليه السلام نجده قد مُنِي بصناديد الكفر ، فقد واجه فرعون الذي ادَّعى الألوهية ، وواجه هامان ، ثم موسى السامري الذي خانه في قومه في غيبته ، فدعاهم إلى عبادة العجل .
ومُني من قومه بقارون ، ومعنى: من قومه ، إما لأنه كان من رحمه من بني إسرائيل ، أو من قومه يعني: الذين يعيشون معه . والقرآن لم يتعرض لهذه المسألة بأكثر من هذا ، لكن المفسرين يقولون: إنه ابن عمه . فهو: قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب وموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب .
وللمؤرخين كلام في العداوة بين موسى وقارون ، قالوا: حينما سأل موسى عليه السلام ربه أنْ يشدَّ عضده بأخيه هارون ، أجابه سبحانه {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا موسى} [طه: 36] وليست هذه أول مرة بل {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى} [طه: 37] وأرسل الله معه أخاه هارون ؛ لأنه أفصح من موسى لساناً ، وجعلهما شريكين في الرسالة ، وخاطبهما معاً {اذهبآ ...} [طه: 43] ليؤكد أنَّ الرسالة ليست من باطن موسى .
وإنْ رأيت الخطاب في القرآن لموسى بمفرده ، فاعلم أن هارون مُلاحَظ فيه ، ومن ذلك لما دعا موسى على قوم فرعون ، فقال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم} [يونس: 88] .