فهرس الكتاب
ومن كلام النسفي نفهم أنّ المراد بالقلب في الآية القلب الذي هو محلّ العلم، والظن، والشك، واليقين، فالمنفي هو القلب الذي هذا شأنه، فهذا لا يتعدّد عند الإنسان قطعا بنصّ الآية، أما القلب الحسيّ فالمشاهد أنّه لا يتعدّد كذلك، وفي قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ قال صاحب الظلال:
(إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصوّر كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوّم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزّق وتفرّق ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه.
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث؛ ويستمد فنونه وتصوّراته من معين رابع .. فهذا الخليط لا يكوّن إنسانا له قلب. إنما يكوّن مزقا وأشلاء ليس لها قوام!
وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقا، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيرا كان هذا الموقف أم كبيرا. لا يملك أن يقول كلمة، أو يتحرك حركة، أو ينوي نية، أو يتصوّر تصوّرا، غير محكوم في هذا كله بعقيدته - إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه - لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد.
لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله: فعلت كذا بصفتي الشخصية.
وفعلت كذا بصفتي الإسلامية! كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات.
أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام! إنه شخص واحد له قلب واحد، تعمره عقيدة واحدة. وله تصوّر واحد للحياة، وميزان واحد للقيم.
وتصوّره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه، في كل حالة من حالاته على السواء.
وبهذا القلب الواحد يعيش فردا، ويعيش في الأسرة، ويعيش في الجماعة، ويعيش في الدولة. ويعيش في العالم. يعيش سرا وعلانية. ويعيش عاملا وصاحب عمل.