لأن الحرب ما شُرِعَتْ في الإسلام ليُرغم الناسُ على الدين ، لكن ليُحمي اختيارهم للدين ، بدليل أن البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي بقي فيها كثير من الناس على كفرهم ، ثم ألزمهم دفع الجزية مقابل الزكاة التي يدفعها المسلم ، ومقابل الخدمات التي تؤديها إليه الدولة .
ثم تأمل كيف يعامل الإسلام الأسري ، وعلى المجتمع الظالم الذي ينتقد الإسلام في هذه الجزئية أن يعلم أن الذي أَسرْتَه في المعركة قد قدرْتَ عليه ، وتمكَّنْتَ منه ، وإنْ شئت قتلتَهُ ، فحين يتدخَّل الشرع هنا ويجعل الأسير مِلْكاً لك ، فإنما يقصد من ذلك حَقْن دمه أولاً ، ثم الانتفاع به ثانية ، إما بالمال حين يدفع أهله فديته ، وإما بأنْ يخدمك بنفسه .
إذن: المقارنة هنا ليستْ بين رِقٍّ وحرية كما يظن البعض ، إنما هي بين رِقٍّ وقتل .
إذن: مشروعية الرق في أسرى الحرب إنما جاءتْ لتحقِنَ دم المأسور ، وتعطي الفرصة للانتفاع به ، فإذا لم يتم الفداء ولا تبادل أسرى وظَلَّ أسيرك بيدك ، فاعلم أن له أحكاماً لا يصح تجاوزها ، فهو شريكك في الإنسانية المخلوقة لله تعالى ، وما أباح الله لك أنْ تأسره ، وأن تملكه إلا لكي تَحْقِنَ دمه ، لا أن تُذِلَّهُ .
واقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إخوانكم خَولَكُم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمَنْ كان أخوه عنده فليُطْعمه مما يطعم ، وليُلبِسْه مما يلبس ، ولا يُكلِّفه ما لا يطيق ، فإن كَلَّفه فَلْيُعِنه".
فأيُّ إكرام للأسير بعد هذا ، بعد أنْ حقن دمه أولاً ، ثم كرَّمه بأنْ جعله أخاً لك ، واحترم آدميته بالمعاملة الطيبة ، ثم فتح له عدة منافذ تؤدي إلى عِتْقه وحريته ، فإنْ كان للرقِّ في الإسلام باب واحد ، فللحرية عدة أبواب ، منها العتق في الكفارات وهي في تكفير الذنوب التي بين العبد وربه .