قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"وَهَذَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، قَالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَنَّا رَاضِيًّا لَمْ يُعْطِنَا هَذَا، كَمَا قَالَ قَارُونُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِي وِبِحَالِي مَا أَعْطَانِي هَذَا، قَالَ: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلَهُ مِنَ الْقُرُونِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) }
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا أَمْوَالُكُمُ الَّتِي تَفْتَخِرُونَ بِهَا أَيُّهَا الْقَوْمُ عَلَى النَّاسِ، وَلَا أَوْلَادَكُمُ الَّذِينَ تَتَكَبَّرُونَ بِهِمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ مِنَّا قُرْبَةً.
عَنْ قَتَادَةَ: «لَا يُعْتَبَرُ النَّاسَ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ قَدْ يُعْطَى الْمَالَ، وَرُبَّمَا حُبِسَ عَنِ الْمُؤْمِنِ»
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} وَلَمْ يَقُلْ بِاللَّتَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ، وَهُمَا نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا جَمْعًا يَصْلُحُ فِيهِ الَّتِي؛ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَرَادَ بِذَلِكَ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ لَمْ يُبْعِدْ قَوْلَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر المنسرح]
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا، وَأَنْتَ بِمَا عِنْـ ... ـدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَلَمْ يَقُلْ: رَاضِيَانِ
وَقَوْلُهُ: {إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى، إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَإِنَّهُ تَقْرَبُهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ بِطَاعَتِهِمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَأَدَائِهِمْ فِيهِ حَقَّهُ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى دُونَ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ.