في تعلق الفاء بالكلام وفيه وجوه الأولى: أن تقديره الإنسان إذا اختار معبوداً في دنياه على ما تمناه واشتهاه فلله الآخرة والأولى يعاقبه على فعله في الدنيا وإن لم يعاقبه في الدنيا فيعاقبه في الآخرة ، وقوله تعالى: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ} إلى قوله تعالى: {لاَ تُغْنِى شفاعتهم} [النجم: 26] يكون مؤكداً لهذا المعنى أي عقابهم يقع ولا يشفع فيهم أحد ولا يغنيهم شفاعة شافع الثاني: أنه تعالى لما بيّن أن اتخاذ اللاّت والعزى باتباع الظن وهوى الأنفس كأنه قرره وقال إن لم تعلموا هذا فلله الآخرة والأولى ، وهذه الأصنام ليس لها من الأمر شيء فكيف يجوز الإشراك وقوله تعالى: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ} على هذا الوجه جواب كلام كأنهم قالوا لا نشرك بالله شيئاً ، وإنما هذه الأصنام شفعاؤنا فإنها صورة ملائكة مقربين ، فقال: {وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السماوات لاَ تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً} الثالث: هذه تسلية كأنه تعالى قال ذلك لنبيه حيث بيّن رسالته ووحدانية الله ولم يؤمنوا فقال لا تأس فللَّه الآخرة والأولى أي لا يعجزون الله الرابع: هو ترتيب حق على دليله بيانه هو أنه تعالى لما بيّن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى} [النجم: 4] إلى آخره وبيّن بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوحيد ، قال إذاعلمتم صدق محمد ببيان رسالة الله تعالى: فللَّه الآخرة والأولى لأنه صلى الله عليه وسلم أخبركم عن الحشر فهو صادق الخامس: هو أن الكفار كانوا يقولون للمؤمنين أهؤلاء أهدى منا ؟ وقالوا {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] فقال تعالى: إن الله اختار لكم الدنيا وأعطاكم الأموال ولم يعط المؤمنين بعض ذلك الأمر بل قلتم: لو شاء الله لأغناهم وتحققتم هذه القضية {فَلِلَّهِ الآخرة والأولى} قولوا في الآخرة ما قلتم في الدنيا يهدي الله من يشاء كما يغني الله ما يشاء.