[النجم: 10] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.
ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.
والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال:"نور أنَّى أراه"، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟
وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال) ، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه) .
والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.
يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.
إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول:
{وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.
ثم في قوله سبحانه:
{أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 12] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال
{عَلَى مَا يَرَى} [النجم: 12] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى: