بعد أن سفه الله أحلامهم ووبخهم على ما اقترفوه من عبادة هذه الأصنام مع وضوح آثار عظمة الله في ملكه وملكوته، وجلاله وجبروته - بعد ذلك - أنحى عليهم مرة أخرى بالتقريع والتوبيخ لتفضيلهم أنفسهم على جنابه - عز وجل - حيث جعلوا له - سبحانه - الإناث التي يأنفون منها، واختاروا لأنفسم الذكور، وكانوا يقولون: إن هذه الأصنام والملائكة بنات الله وكانوا يعبدونها ويزعمون أنها شفعاؤهم عند الله - تعالى - فقال لهم:
{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} أي: أيستقيم قولهم هذا لدى أرباب العقول السليمة والفطر المستقيمة؟
22 - {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} :
أي: قسمتكم هذه قسمة جائرة ظالمة حيث اصطفيتم لأنفسكم الذكور، وجعلتم لله الإناث، ومن شأنكم أنَّكم تستنكفون من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، فضلا عن أن تجعلوا هؤلاء الأناث أندادًا لله وتسمونهنَّ آلهة.
23 - {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} .
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا} :
أي: ما الأصنام التي تدَّعون أنها آلهة - ما هي - إلا أسماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مسميات، وما تزعمونه لها هو أمر أبعد شيء عنها، وأشد منافاة لها، فهي لا تدفع عن نفسها ولا تنفع ولا تضر غيرها {أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} أي: قد تابعتم آباءكم وقلدتموهم في عبادتها واتخاذها آلهة، وهي ليست إلَّا مجرد تسميات لجمادات وضعتموها أنتم {مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} .
أي: ما هي إلَّا أسماء سميتموها بهواكم وشهوتكم، ليس لكم على صحة تسميتها آلهة برهان ودليل من الله تتعلقون وتتمسكون به.
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} : المراد بالظن هنا: هو التوهم، وشاع استعماله فيه، أي: ما تتبعون ولا تسيرون إلَّا وراءَ وهم باطل حيث يدور في خلدكم العليل وعقلكم السقيم أن ما أنتم عليه حق، وأن ما تزعمونه من آلهة تشفع لكم.