وولي يحيى بن أكثم قاضيا على أهل جبلة، فبلغه أن الرشيد انحدر إلى البصرة، فقال لأهل جبلة: إذا اجتاز الرشيد فاذكروني عنده بخير، فوعدوه بذلك، فلما جاء الرشيد تقاعدوا عنه، فسرح القاضي لحيته، وكبر عمته وخرج، فرأى الرشيد في الحراقة ومعه أبو يوسف القاضي، فقال يا أمير المؤمنين: نعم القاضي قاضي جبلة عدل فينا، وفعل كذا وكذا، وجعل يثني على نفسه، فلما رآه أبو يوسف عرفه، فضحك فقال له الرشيد: مم تضحك؟ فقال يا أمير المؤمنين: المثني على القاضي هو القاضي، فضحك الرشيد حتى فحص برجله الأرض، ثم أمر بعزله فعزل.
وأحضر رجل ولده إلى القاضي فقال: يا مولانا إن ولدي هذا يشرب الخمر ولا يصلي، فأنكر ولده ذلك، فقال أبوه: يا سيدي أفتكون صلاة بغير قراءة، فقال الولد إني أقرأ القرآن، فقال له القاضي: اقرأ حتى أسمع فقال:
علق القلب الربابا ... بعدما شابت وشابا
إن دين الله حق ... لا أرى فيه ارتيابا
فقال أبوه: إنه لم يتعلم هذا إلا البارحة، سرق مصحف الجيران وحفظ هذا منه، فقال القاضي، وأنا الآخر أحفظ آية منها وهي:
فارحمي مضنى كئيبا ... قد رأى الهجر عذابا
ثم قال القاضي: قاتلكم الله يعلم أحدكم القرآن ولا يعمل به.
وتقدم اثنان إلى أبي صمصامة القاضي، فادعى أحدهما على الآخر طنبورا، فأنكر، فقال للمدعي: ألك بينة؟
فقال: لي شاهدان فأحضر رجلين شهدا له، فقال المدعى عليه: سلهما يا سيدي عن صناعتهما، فأخبر أحدهما أنه نباذ، وقال الآخر أنه قواد، فالتفت القاضي إلى المدعى عليه، وقال: أتريد على طنبور أعدل من هذين؟ ادفع إليه طنبوره.
وتحاكم الرشيد وزبيدة إلى أبي يوسف القاضي في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب، فقال أبو يوسف: أنا لا أحكم على غائب، فأمر الرشيد بإحضارهما، وقدما بين يدي أبي يوسف، فجعل يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة حتى نصف الجامين ثم قال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أعدل منهما كلما أردت أن أحكم لأحدهما أتى الآخر بحجته.
وأتى بعض المجان لبعض القضاة فقال: يا سيدي إن أمرأتي قحبانا، فقال له القاضي: طلقهانا، فقال: عشقانا.
فقال: قودهانا.
وادعى رجل عند قاض على امرأة حسناء بدين، فجعل القاضي يميل إليها بالحكم، فقال الرجل: أصلح الله القاضي حجتي أوضح من هذا النهار، فقال له القاضي: