فهرس الكتاب
لا جرَمَ كان من الرأي الفائل والمذهب الباطل قولُ أولئك الذين زعموا أن الإعجاز كان بالصرفة ، على ما عرفت من معناها ؛ وما دعاهم إلى القول بها إلا عجَبهم كيف لم يأتي للعرب أن
يعارضوا السورة القصيرة والآيات القليلة مع هذا التحدي ومع هذا التقريع ، وهم اللد الخصمون ،
والكلام سيد عملهم ولهم فيه المواقف والمقامات ، بيد أن أولئك لو كان لهم إحساس العرب أو لم يأخذوا الأمر على ظاهره وردوه إلى أسبابه فِي الفطرة لرأوا أن معنى العجز هو فِي الكثير والقليل فإن
التحدي بالسورة الواحدة طويلة أو قصيرة ، لم يكن فِي أول آية نزلت من القرآن ... كان بعد سورٍ كثيرة منه ، وبعد أن ذهبت فِي العرب كل مذهب ؛ وهو أمر غريب فِي استلاب حسّ القوم والتأتي إلى تعجيزهم ، فإن أعجبك شيء من سياسة البيان المعجزة واشتقاق المستحيل من الممكن ؛ فذلك
فليُعجبك .
وههنا معنى دقيقَ فِي التحدي ، ما نظن العرب إلا وقد بلغوا منه عجباً: وهو التكرار الذي يجيء فِي بعض آيات القرآن ، فتختلف فِي طرق الأداء وأصل المعنى واحد فِي العبارات المختلفة ،
كالذي يكون فِي بعض قَصَصه لتوكيد الزجر والوعيد وبسط الموعظة وتثبيت الحجة ونحوها ، أو فِي بعض عباراته لتحقيق النعمة وترديد المنة والتذكير بالنعم واقتضاء شكره ، إلى ما يكون هذا الباب ؛ وهو مذهب للعرب معروف ، ولكنهم لا يذهبون إليه إلا فِي ضروب من خطابهم: للتهويل
والتوكيد ، والتخويف والتفجع وما يجري مجراها من الأمور العظيمة ؛ وكل ذلك مأثورٌ عنهم منصوص عليه فِي كثير من كتب الأدب والبلاغة .