فهرس الكتاب
ففي الأرض أحباب وفيها منازل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل
ولا تستمع قول امرئ القيس إنّه ... مضلّ ومن ذا يهتدي بمضلّل
وقال عبد الله الجعدي:
فإن تجف عني أو تزرني إهانة ... أجد عنك في الأرض الفريضة مذهبا
ومما قيل في الوداع والفراق والشوق والبكاء:
قال جرير:
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
وقيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان جدك صانعا في قوله فعلت ما لم أفعل؟ قال: كان يقلع عينيه حتى لا يرى مظعن أحبابه ثم أنشد يقول:
وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول
قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون ألبل
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل
بأكبر منّي لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل
وقال الشاعر:
وما أم خشف طول يوم وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا
تهيم ولا تدري إلى أين تبتغي ... مولهة حزنا تجوز الفيافيا
أضرّ بها حر الهجير فلم تجد ... لغلّتها من بارد الماء شافيا
إذا أبعدت عن خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا
بأوجع مني يوم شدوّا حمولهم ... ونادى مناد البين أن لا تلاقيا
وقال عبد العزيز الماجشون وهو من فقهاء المدينة: قال لي المهدي يا ماجشون ما قلت حين فارقت أحبابك؟ قال:
قلت يا أمير المؤمنين:
لله باك على أحبابه جزعا ... قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا
ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرّعني من بعدهم جرعا
إن الزمان رأى إلف السرور لنا ... فدبّ بالبين فيما بيننا وسعى
فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا
فقال: والله لأعيننك فأعطاه عشرة آلاف دينار.
وقال آخر:
وقفت يوم النوى منهم على بعد ... ولم أودّعهم وجدا وإشفاقا
إني خشيت على الأظعان من نفسي ... ومن دموعي إحراقا وإغراقا
وقال عمر بن أحمد:
أنى الرحيل فحين جدّ ترحلت ... مهج النفوس له عن الاجساد
من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتّت الاكباد
وحكى بعضهم قال: دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له: أحسنت، فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال: ألمثلي يقال أحسنت، ففررنا منه فقال: أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت. فرجعنا إليه فأنشد يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو ... وحمّلوها وسارت بالدمّى الإبل