فالجواب أن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه ، وإنما ذكروا فِي قوله تعالى: (قلْ لَئِن اجْتَمَعَت الإنْس وَالْجِنّ...
(تعظيما لشأنه ، لأن للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد ، فإذا فرِض إجماع الثقلين ، وظاهر بعضهم بعضا ، وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز.
وقال بعضهم: بل وقع للجن أيضاً والملائكة منويون فِي الآية ، لأنهم لا
يقدرون أيضاً على الإتيان بمثل القرآن.
وقال الرُّماني فِي غرائب التفسير: إنما اقتصر فِي الآية على ذكر الجن
والإنس ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثاً إلى الثقلين دون الملائكة.
فإن قلت: قد قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82) .
وقد وجدنا فيه اختلافا وتفاوتا فِي الفصاحة ، بل نجد فيه الأفصح والفصيح.
والجواب أنه لو جاء القرآن على غير ذلك لكان على غير
النمَط المعتاد فِي كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح ، فلا تتم الحجة فِي الإعجاز ، فجاء على نمط كلامهم المعتاد ليتم ظهور العجز عن معارضته ولا يقولوا مثلاً: أتيت بما لا قدرة لنا على جنسه ، كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: قد غلبتك بنظري ، لأنه يقول له: إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادراً على النظر ، وكان نظري أقوى من نظرك ، فأما إذا فقد أصل النظر فكيف تصح مني المعارضة.
وقيل: إن الحكمة فِي تنزيه القرآن عن الشعر الموزون - مع أن الشعر الموزون من الكلام رتْبَته فوق رتبة غيره - إن القرآن منبع الحق ، وجمع الصدق ، وقصارى أمر الشاعر التخييل بتصور الباطل فِي صورة الحق ، والإفراط فِي الإطراء ، والمبالغة فِي الذم والإيذاء ، دون إظهار الحق ، وإثبات الصدق ، ولهذا نزه الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عنه ، ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية فِي أكثر الأمر إلى البطلان والكذب: شِعْريّة.