فهرس الكتاب
وهل يجوزُ استعمال السجع فِي القرآن ، خلاف: الجمهور على المنع ، لأن أصله من سجع الطّيْرُ ، فَشُرفَ القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل ، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث فِي وصفه بذلك ، ولأن القرآن من صفاته تعالى ، فلا يجوز وصْفُه بصفة لم يرد الإذن بها.
قال الرماني فِي إعجاز القرآن: ذهب الأشعرية إلى امتناع أن يقول فِي القرآن
سجع ، وفرَّقُوا بينهما بأن السجع هو الذي يقصد فِي نفسه ثم مجال المعنى عليه ، والفواصل التي تَتْبَع المعاني ، ولا تكون مقصودة فِي نفسها.
قال: ولذلك كانت الفواصل بلاغة والسجع عيباً ، وتبعه على ذلك أبو بكر الباقلاني.
وقال الخفاجي فِي سر الفصاحة: قول الرماني: إن السجعَ عَيْب والفواصل
بلاغة غلط ، فإنه إن أراد بالسجع ما يَتْبَعُ المعنى - وهو غير مقصود فذلك
بلاغة ، والفواصل مثله.
وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له - وهو مقصود متكلف - فذلك عيب.
والفواصل مثله.
قال: وأظن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما فِي القرآن فواصل ، ولم يسموا ما
تماثلت حروفه سجعاً - رغبتهم فِي تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من
الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم ، وهذا غَرَضٌ فِي التسمية قريب.
والحقيقة ما قلناه.
قال: والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة فِي مقاطع الفواصل.
قال: فإن قيل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فَهلا وَرَدَ القرآنُ كله
مسجوعاً ، وما الوجه فِي ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع ، قلنا ، إن القرآن نزل بلغة العرب ، وعلى عُرْفهم وعادتهم ، وكان الفصيح منهم
لا يكون كلامُه كله مسجوعاً ، لما فيه من أمارات التكللف والاستكراه لاستماع طول الكلام ، فلم يَرِدْ كله مسجوعاً جرياً منهم على عُرْفِهم فِي اللطيفة الغالبة من كلامهم ، ولم يخل من السجع ، لأنه يحسن فِي بعض الكلام على الصفة السابقة.
وقد ألف الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي كتاباً سماه"إحكام الراي في"