ج - وأما القياس: فهو أنّ مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم فِي تعظيم الكعبة ، أمر بلغ مبلغ التواتر ، والصلاة من أعظم شعائر الدين ، وتوقيفُ صحتها على استقبال عين الكعبة يوجب مزيد الشرف ، فوجب أن يكون مشروعاً .
وقالوا أيضاً: كونُ الكعبة قبلة أمر مقطوع به ، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك فيه ، ورعايةُ الاحتياط فِي الصلاة أمر واجب ، فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال عين الكعبة .
أدلة المالكية والحنفية:
واستدل المالكية والحنفية على مذهبهم بالكتاب ، والسنة وعمل الصحابة ، والمعقول .
أ - أما الكتاب: فظاهر قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} ولم يقل: شطر الكعبة ، فإنّ من استقبل الجانب الذي فيه المسجد الحرام ، فقد أتى بما أمر به سواء أصابَ عين الكعبة أم لا .
ب - وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام:"ما بين المشرق والمغرب قِبْلةٌ".
وحديث:"البيتُ قبلةٌ لأهل المسجد والمسجدُ قبلةٌ لأهل الحرم ، والحرامُ قبلةٌ لأهل الأرض فِي مشارقها ومغاربها من أمتي".
ج - وأما عمل الصحابة: فهو أنّ أهل (مسجد قباء) كانوا فِي صلاة الصبح بالمدينة ، مستقبلين لبيت المقدس ، مستدبرين الكعبة ، فقيل لهم: إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة ، فاستداروا فِي أثناء الصلاة من غير طلب دلالة ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ، وسُمّي مسجدهم (بذي القبلتين) . ومعرفةُ عين الكعبة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها ، فكيف أدركوها على البديهة فِي أثناء الصلاة ، وفي ظلمة الليل ؟