"فالقسم الأول أعلى طبقات الكلام وأرفعه. والقسم الثاني أوسطه وأقصده، والقسم الثالث أدناه وأقربه، فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة"26
والعبارة موهمة، قد يُفهم منها أن فِي القرآن ما هو من الدرجة العليا فِي البلاغة وفيه ما هو من أوسطها وأدناها. وذلك مردود عندنا من ناحيتين:
أولاهما: أن فهمنا للإعجاز البياني، فوت لأعلى درجات البلاغة دون أوسطها وأدناها.
والأخرى، أن هذه الدرجات الثلاث لا تجتمع، بالضرورة، فِي السورة الواحدة، وبسورة واحدة كان التحدي والمعاجزة.
وسبق"الخطابي"أيضاً إلى لمح فروق دقيقة فِي الدلالة، لألفاظ قرآنية جرت معاجمنا وكتب المفسرين على القول بترادفها مع"ألفاظ أخرى فِي معناها"مثل: العلم والمعرف، الحمد والشكر، العتق وفك الرقبة، (29: 33) ...
وهذا أيضاً مما نتزود به لطريقنا إلى فهم الإعجاز البياني، على ما سوف نوضحه فِي:"الترادف وسر الكلمة".
وتجرد الخطابي لدفع شبهات من جادلوا فِي بلاغة عبارات قرآنية قالوا إنها جاءت على غير المسموع من فصيح كلام العرب. وفي ردَّ الخطابي عليهم ملاحظُ دقيقة، غير أنا نختلف معه، من حيث المبدأ، فِي قبول عرض العبارات القرآنية على ما نقل عصر التدوين من فصيح كلام العرب. والأصل أن يعرض هذا الذي نقلوه على القرآن، إذ هو الفصحى والنص الموثق الذي لم يصل إلينا من أصيل العربية بنص آخر صح له مثل ما صح للقرآن من توثيق يحميه من شوائب الرواية النقلية، وما لألفاظه من حرمة لا تجيز رواية بالمعنى، فضلاً عما فِي الشواهد الشعرية من ضرورات لا مجال لمثلها فِي الشواهد القرآنية.