فهرس الكتاب
{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} فكان المعنى: إنك خلقت الدار الأولى للتكليف، ومكنت العباد فيها من الطاعة والعصيان، ورغبت المطيع في الثواب، وخوفت العاصي من العقاب، فوقع منك وعد ووعيد، فرغبت من الوفاء بهما بأنك تجمع الخلائق ليوم الجزاء لأن من خلق وأنعم نعمة حقت بها العبادة، ولزمت من أجلها الطاعة، وهو معنى قولنا: إن الله إذا وعد صدق، فلا خلف في قوله ولا تبديل لكلماته، فلما كان معنى قولنا «الله» معنى الإله، والإله مشتق من أله يأله إلاهة أي: عبد يعبد عبادة، فالإله هو الذي حقت عبادته لما عظمت نعمته، كان العدول إلى هذه اللفظة للاحتجاج بمعناها فائدة لم تكن لتحصل لو قال: {إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} فلما تقدمت هذه الآية التي وقع العدول فيها عن لفظ إلى لفظ لما قصد من الاحتجاج بمعناه، فكذلك بنيت هذه الآية التي تليها عليها في مثل هذا الحكم، لما ثبت من مثل هذا المعنى، فقال تعالى:
{كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} فأتى بالضمير الفاعل، وكان يعقل من قوله:
{كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} أي: إنا عرضناهم للإيمان، ومكناهم من الإسلام، وأزحنا العلة، ونصبنا الأدلة، فكذبوا بها، فالذي حقت له العبادة، وعظمت منه النعمة أخذهم بذنوبهم، والله يعاقب الكفار عقوبة تشتد عليهم، ولا تخفف عنهم لما قدموا من العصيان ما استمر مثله، ولم ينقل عنه قدم ولا عقبه بعد الإصرار عليه ندم. فهذه فائدة العدول إلى لفظة «الله» في قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} دون قوله: فأخذناهم.
المسألة الثانية أن يسأل عن الكاف في {كَدَأْبِ} ووجه اتصالها بما قبلها وموضعها من الإعراب، لأنها بمعنى «مثل» ، والكاف التي يصح مكانها «مثل» محكوم على موضعها برفع، أو نصب، أو جر.