فهرس الكتاب
قيل: جواب الأمر يجب أن يكون غيره، نحو: ائتني فأكرمك، وتقديره: ائتني فإنك إن تأتني أكرمك، ولو جُعل فيكون جواباً لكان، تقديره كن، فإنك إن تكن تكن، وهذا لا يصح؛ لأن معنى الجواب معنى الشرط، وإذا رُفِعَ فتقديره: فهو يكون.
قوله تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(60)
وإنما قال: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) ولم يقل ممترياً، ليكون فيه ذم من شك في عيسى.
ونبّه أن الحق في ذلك، بل في الأمور كلها ما يكون مصدره من الله تعالى.
وقوله: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) وإن كان خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فالمقصد به عام.
«إن قيل» : فأي حجة في قوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا) ؟
قيل: إنه تعالى أدبنا بأن المعاند متى لزمته الحجة وبانت له المحجة فليس إلا التقضي منه وترك محجته وملاحاته.
«إن قيل» : كيف قال: (وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وكلاهما أفاد ما أفاد قوله (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) ؟
قيل: ليس كذلك، فإن الشرك بالله قد يكون في غير العبادة.
ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء".
من ذلك قول القائل: لولا الديك لأتانا اللص.
وقال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) .
وقوله: (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) .
فقد شرط من دون الله وهنا هو الكفر، فأما المملوك إذا اتخذ صاحبه ربًّا لا أنه معبود فليس بمنهي عنه.
قوله تعالى: (يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(65)
«إن قيل» : فإن اليهود والنصارى لم يدّعوا أكثر من أن شريعتنا مساوية لشريعة إبراهيم، وهذا قد ادعاه المسلمون، فإن أمكننا أن نلزمهم ذلك أمكنهم أن يعارضوا بمثله؟