فهرس الكتاب
أي وَلَدَاً صالِحاً، والذُّرِّيَّةُ تكونُ واحداً وجَمعاً؛ ذكراً أو أنثى، وهو هَاهُنا واحدٌ، ويدلُّ عليهِ قولهُ: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} ولَم يقل أولِياءً، وإنَّما أنث {طَيِّبَةً} لأنه على لفظِ ذُرية كما قالَ الشاعرُ:
أبُوكَ خَلِيْفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى ... وَأنْتَ خَلِيْفَةٌ ذاكَ الْكَمَالِ
فأنَّث (وَلَدَتْهُ) لتأنيثِ الخليفة.
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(40)
وقَوْلُهُ تَعَالَى حاكياً عن زكريَّا: {وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ} هذا المقلوبُ؛ أي وقد بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ.
فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يقولَ الإنسانُ بَلَغَنَا الْبَلَدُ كما يقولُ بَلَغْتُ الْبَلَدَ؟
قيلَ: لا يجوزُ ذلك بخلافِ قولهِ: {بَلَغَنِي الْكِبَرُ} بمعنى بلغتُ الكبرَ، والفرقُ بينهما أنَّ الكِبَرَ طالبٌ للإنسانِ لإتيانه عليه بحدوثهِ فيه، والإنسانُ كالطالب للكِبَرِ لبلوغهِ إيَّاه بمرور السنينِ والأعوامِ عليه، وأمَّا البلدُ فلا يكونُ طالباً للإنسانِ، كما يكونُ الإنسانُ طالبا للبلد.
فإن قِيْلَ: كيفَ قال زكريَّا {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} فاستبعدَ أن يعطيَه اللهُ ولداً على كِبَرِ السِّنِّ من امرأةٍ عاقرٍ بعدمَا بشَّرتْهُ الملائكةُ بذلك؟
قيل: لَم يكن هذا القولُ منه على جهةِ الاستبعاد ولكنْ من شأنِ من بُشِّرَ بما يتمنَّاهُ أن يحملَه فَرْطُ سُرُورهِ به على الزيادةِ في الاستكشافِ والاستثبَات، كما يقولُ الإنسانُ إذا رأى شيئاً مِن الأمور العظيمة: كيفَ كان هذا؟! على جهةِ الاستعظامِ لقدرةِ الله تعالى لا لِشَكٍّ في القدرة.