فهرس الكتاب
قوله عز وجل: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} أي: يخونون أنفسهم بخيانتهم لغيرهم، فإن وبال خيانتهم عائد على أنفسهم، فكأنهم خانوها، والمجادلة المحاجّة فيما فيه خلاف، من الجدل وهو الفتل، يقال: جَدَلْتُ الحبلَ أَجْدُلُهُ جَدْلًا، إذا فَتَلْتَهُ فتلًا محكمًا، لأن فيه فتل الخصم عن مذهبه، فاعرفه].
{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) } :
قوله عز وجل: {يَسْتَخْفُونَ} يحتمل أن يكون مستأنفًا، أي: هم يستخفون، وأن يكون في موضع النصب على النعت لِخَوِّانٍ حملًا على المعنى، إذ المراد به الجنس والكثرة.
وقوله: {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} (وهو معهم) : ابتداء وخبر، و {إِذْ} متعلق بما تعلق به {مَعَهُمْ} ، و {يُبَيِّتُونَ} يدبرون ويتفكرون، وأصله أن يكون بالليل، قال أبو إسحاق: كل ما فُكِّر فيه، أو
خِيض فيه بليلٍ فقد بُيِّت.
{مِنَ الْقَوْلِ} أي: من المَقُول؛ لأن نفس القول لا يبيّت.
{هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) } :
قوله عز وجل: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} (ها) فيهما للتنبيه، و (أنتم أولاء) مبتدأ وخبر، و {جَادَلْتُمْ} خبر بعد خبر، ويجوز أن يكون حالًا، وقد معه مرادة، والعامل فيها معنى التنبيه.
ولك أن تجعل (أولاء) موصولًا بمعنى الذين، و {جَادَلْتُمْ} صلته، وقد ذكر نظيره فيما سلف من الكتاب.
وقوله: {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ} (مَن) استفهام في موضع رفع بالابتداء، والخبر {يُجَادِلُ} وما تعلق به، [والاستفهام ها هنا معناه النفي، والمراد به التوبيخ] .
{أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} مِثْلُها عَطْفٌ عليها، و {عَلَيْهِمْ} متعلق بوكيل، والوكيل هنا: الحافظ المحامي من بأس الله وانتقامه.