فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 357

فَأَمَّا مَا يَرُومُهُ مِنْ أَعْمَالِهِ، وَيُؤْثِرُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ مِنْ مَطَالِبِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ الْفِكْرَ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِهِ فَإِنْ كَانَ الرَّجَاءُ فِيهِ أَغْلَبَ مِنْ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَحُمِدَتْ الْعَافِيَةُ فِيهِ سَلَكَهُ مِنْ أَسْهَلِ مَطَالِبِهِ وَأَلْطَفِ جِهَاتِهِ. وَبِقَدْرِ شَرَفِهِ يَكُونُ الْإِقْدَامُ، وَإِنْ كَانَ الْإِيَاسُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّجَاءِ مَعَ شِدَّةِ التَّغْرِيرِ وَدَنَاءَةِ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَرِّضًا.

فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا هَمَمْت بِأَمْرٍ فَفَكِّرْ فِي عَاقِبَتِهِ فَإِنْ كَانَ رُشْدًا فَأَمْضِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيًّا فَانْتَهِ عَنْهُ» .

وَقَالَتْ الْحُكَمَاءُ: طَلَبُ مَا لَا يُدْرَكُ عَجْزٌ.

وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:

فَإِيَّاكَ وَالْأَمْرَ الَّذِي إنْ تَوَسَّعَتْ ... مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْك الْمَصَادِرُ

فَمَا حَسَنٌ أَنْ يَعْذُرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ... وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ عَاذِرُ

وَلْيَعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ حِينٍ مِنْ أَيَّامِ عُمُرِهِ خُلُقًا، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ دَهْرِهِ عَمَلًا فَإِنْ تَخَلَّقَ فِي كِبَرِهِ بِأَخْلَاقِ الصِّغَرِ، وَتَعَاطَى أَفْعَالَ الْفُكَاهَةِ وَالْبَطَرِ، اسْتَصْغَرَهُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَحَقَّرَهُ مَنْ هُوَ أَقَلُّ وَأَحْقَرُ، وَكَانَ كَالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ بِقَوْلِ الشَّاعِر:

وَكُلُّ بَازٍ يَمَسُّهُ هَرَمٌ ... تَخَرَّا عَلَى رَأْسِهِ الْعَصَافِيرُ

فَكُنْ أَيُّهَا الْعَاقِلُ مُقْبِلًا عَلَى شَانِكَ، رَاضِيًا عَنْ زَمَانِك، سِلْمًا لِأَهْلِ دَهْرِك، جَارِيًا عَلَى عَادَةِ عَصْرِك، مُنْقَادًا لِمَنْ قَدَّمَهُ النَّاسُ عَلَيْك، مُتَحَنِّنًا عَلَى مَنْ قَدَّمَك النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَا تُبَايِنْهُمْ بِالْعُزْلَةِ عَنْهُمْ فَيَمْقُتُوك، وَلَا تُجَاهِرْهُمْ بِالْمُخَالَفَةِ لَهُمْ فَيُعَادُوك، فَإِنَّهُ لَا عَيْشَ لِمَمْقُوتٍ وَلَا رَاحَةَ لِمُعَادِي. وَأَنْشَدَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِبَعْضِهِمْ:

إذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي وَاحِدٍ ... وَخَالَفَهُمْ فِي الرِّضَا وَاحِدُ

فَقَدْ دَلَّ إجْمَاعُهُمْ دُونَهُ ... عَلَى عَقْلِهِ أَنَّهُ فَاسِدُ

وَاجْعَلْ نُصْحَ نَفْسِك غَنِيمَةَ عَقْلِك، وَلَا تُدَاهِنْهَا بِإِخْفَاءِ عَيْبِك وَإِظْهَارِ عُذْرِك، فَيَصِرْ عَدُوُّك أَحْظَى مِنْك فِي زَجْرِ نَفْسِهِ بِإِنْكَارِك وَمُجَاهَرَتِك مِنْ نَفْسِك الَّتِي هِيَ أَخَصُّ بِك لِإِغْرَائِك لَهَا بِأَعْذَارِك وَمُسَاءَتِك. فَحَسْبُك سُوءًا رَجُلٌ يَنْفَعُ عَدُوَّهُ وَيَضُرُّ نَفْسَهُ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَصْلِحْ نَفْسَك لِنَفْسِك يَكُنْ النَّاسُ تَبَعًا لَك.

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أَصْلَحَ نَفْسَهُ أَرْغَمَ أَنْفَ أَعَادِيهِ، وَمَنْ أَعْمَلَ جِدَّهُ بَلَغَ كُنْهَ أَمَانِيهِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: مَنْ عَرَفَ مَعَابَهُ فَلَا يَلُمْ مَنْ عَابَهُ.

وَأَنْشَدَنِي أَبُو ثَابِتٍ النَّحْوِيُّ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ:

وَمَصْرُوفَةٌ عَيْنَاهُ عَنْ عَيْبِ نَفْسِهِ ... وَلَوْ بَانَ عَيْبٌ مِنْ أَخِيهِ لَأَبْصَرَا

وَلَوْ كَانَ ذَا الْإِنْسَانُ يُنْصِفُ نَفْسَهُ ... لَأَمْسَكَ عَنْ عَيْبِ الصَّدِيقِ وَقَصَّرَا

فَهَذِّبْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ نَفْسَك بِأَفْكَارِ عُيُوبِك وَانْفَعْهَا كَنَفْعِك لِعَدُوِّك فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ لَمْ تَنْفَعْهُ الْمَوَاعِظُ. أَعَانَنَا اللَّهُ، وَإِيَّاكَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْعَمَلِ وَعَلَى النُّصْحِ بِالْقَبُولِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَكَفَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت