فَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ الْمَادَّةُ الْكَافِيَةُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ لَازِمَةٌ لَا يُعَرَّى مِنْهَا بَشَرٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء: 8]
فَإِذَا عَدَمَ الْمَادَّةَ الَّتِي هِيَ قِوَامُ نَفْسِهِ لَمْ تَدُمْ لَهُ حَيَاةٌ، وَلَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ دُنْيَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَيْهِ لَحِقَهُ مِنْ الْوَهْنِ فِي نَفْسِهِ وَالِاخْتِلَالِ فِي دُنْيَاهُ بِقَدْرِ مَا تَعَذَّرَ مِنْ الْمَادَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْقَائِمَ بِغَيْرِهِ يَكْمُلُ بِكَمَالِهِ وَيَخْتَلُّ بِاخْتِلَالِهِ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ الْمَوَادُّ مَطْلُوبَةً لِحَاجَةِ الْكَافَّةِ إلَيْهَا أُعْوِزَتْ بِغَيْرِ طَلَبٍ، وَعُدِمَتْ لِغَيْرِ سَبَبٍ. وَأَسْبَابُ الْمَوَدَّةِ مُخْتَلِفَةٌ، وَجِهَاتُ الْمَكَاسِبِ مُتَشَعِّبَةٌ؛ لِيَكُونَ اخْتِلَافُ أَسْبَابِهَا عِلَّةَ الِائْتِلَافِ بِهَا، وَتَشَعُّبُ جِهَاتِهَا تَوْسِعَةً لِطُلَّابِهَا، كَيْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ فَلَا يَلْتَئِمُونَ، أَوْ يَشْتَرِكُوا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَكْتَفُونَ.
ثُمَّ هَدَاهُمْ إلَيْهَا بِعُقُولِهِمْ وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهَا بِطِبَاعِهِمْ حَتَّى لَا يَتَكَلَّفُوا ائْتِلَافَهُمْ فِي الْمَعَايِشِ الْمُخْتَلِفَةِ فَيَعْجِزُوا وَلَا يُعَاوَنُوا بِتَقْدِيرِ مَوَادِّهِمْ بِالْمَكَاسِبِ الْمُتَشَعِّبَةِ، فَيَخْتَلُّوا حِكْمَةً مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اطَّلَعَ بِهَا عَلَى عَوَاقِبِ الْأُمُورِ. وَقَدْ أَنْبَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ إخْبَارًا وَإِذْكَارًا فَقَالَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ قَتَادَةُ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ مَا يَصْلُحُ ثُمَّ هَدَاهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَعْطَى كُلَّ شَيْءِ زَوْجَةً ثُمَّ هَدَاهُ لِنِكَاحِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: 7] .
يَعْنِي مَعَايِشَهُمْ مَتَى يَزْرَعُونَ وَمَتَى يَغْرِسُونَ: {وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 10]
قَالَ عِكْرِمَةُ: قَدَّرَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْهَا مَا لَمْ يَجْعَلْهُ فِي الْأُخْرَى لِيَعِيشَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالتِّجَارَةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: قَدَّرَ أَرْزَاقَ أَهْلِهَا سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ الزِّيَادَةَ فِي أَرْزَاقِهِمْ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُمْ مَعَ مَا هَدَاهُمْ إلَيْهِ مِنْ مَكَاسِبِهِمْ وَأَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ مِنْ مَعَايِشِهِمْ دِينًا يَكُونُ حُكْمًا وَشَرْعًا يَكُونُ قَيِّمًا؛ لِيَصِلُوا إلَى مَوَادِّهِمْ بِتَقْدِيرِهِ، وَيَطْلُبُوا أَسْبَابَ مَكَاسِبِهِمْ بِتَدْبِيرِهِ، حَتَّى لَا يَنْفَرِدُوا بِإِرَادَتِهِمْ فَيَتَغَالَبُوا، وَتَسْتَوْلِي عَلَيْهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ فَيَتَقَاطَعُوا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [المؤمنون: 71]
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْحَقُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ اللَّهُ - جَلَّ جَلَالَهُ - فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ الْمَوَادَّ مَطْلُوبَةً بِالْإِلْهَامِ حَتَّى جَعَلَ الْعَقْلَ هَادِيًا إلَيْهَا، وَالدِّينَ قَاضِيًا عَلَيْهَا؛ لِتَتِمَّ السَّعَادَةُ وَتَعُمَّ الْمَصْلَحَةُ. ثُمَّ إنَّهُ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - جَعَلَ سَدَّ حَاجَتِهِمْ وَتَوَصُّلِهِمْ إلَى مَنَافِعِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: بِمَادَّةٍ وَكَسْبٍ.