رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «النَّاسُ كَشَجَرَةٍ ذَاتِ جَنًى وَيُوشِكُ أَنْ يَعُودُوا كَشَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ إنْ نَاقَدْتَهُمْ نَاقَدُوكَ، وَإِنْ هَرَبْتَ مِنْهُمْ طَلَبُوكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ الْمَخْرَجُ؟ قَالَ: أَقْرِضْهُمْ مِنْ عَرْضِك لِيَوْمِ فَاقَتِك» .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ: الْعَاقِلُ الْكَرِيمُ صَدِيقُ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مَنْ ضَرَّهُ، وَالْجَاهِلُ اللَّئِيمُ عَدُوُّ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مَنْ نَفَعَهُ.
وَقَالَ: شَرُّ مَا فِي الْكَرِيمِ أَنْ يَمْنَعَك خَيْرَهُ، وَخَيْرُ مَا فِي اللَّئِيمِ أَنْ يَكُفَّ عَنْك شَرَّهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: أَعْدَاؤُك دَاؤُك وَفِي الْبُعْدِ عَنْهُمْ شِفَاؤُك.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: شَرَفُ الْكَرِيمِ تَغَافُلُهُ عَنْ اللَّئِيمِ. وَوَصَّى بَعْضُ الْحُكَمَاءِ ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إذَا سَلِمَ النَّاسُ مِنْك فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا اجْتَمَعَتْ هَاتَانِ النِّعْمَتَانِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ نُفَيْلَةَ:
الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ ... فَالْخَيْرُ مُسْتَتْبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ
وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ صَدِيقًا قَدْ اسْتَحْدَثَ نَبْوَةً وَتَغَيُّرًا، أَوْ أَخًا قَدْ اسْتَجَدَّ جَفْوَةً وَتَنَكُّرًا، فَأَبْدَى صَفْحَةَ عُقُوقِهِ، وَاطَّرَحَ لَازِمَ حُقُوقِهِ، وَعَدَلَ عَنْ بِرِّ الْإِخَاءِ إلَى جَفْوَةِ الْأَعْدَاءِ.
فَهَذَا قَدْ يَعْرِضُ فِي الْمَوَدَّاتِ الْمُسْتَقِيمَةِ كَمَا تَعْرِضُ الْأَمْرَاضُ فِي الْأَجْسَامِ السَّلِيمَةِ فَإِنْ عُولِجَتْ أَقْلَعَتْ، وَإِنْ أُهْمِلَتْ أَسْقَمَتْ ثُمَّ أَتْلَفَتْ.
وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْحُكَمَاءُ: دَوَاءُ الْمَوَدَّةِ كَثْرَةُ التَّعَاهُدِ.
وَقَالَ كُشَاجِمُ:
أَقِلْ ذَا الْوُدِّ عَثَرْتَهُ وَقِفْهُ ... عَلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمَهْ
وَلَا تُسْرِعْ بِمَعْتَبَةٍ إلَيْهِ ... فَقَدْ يَهْفُو وَنِيَّتُهُ سَلِيمَهْ
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّ مُتَارَكَةَ الْإِخْوَانِ إذَا نَفَرُوا أَصْلَحُ، وَاطِّرَاحَهُمْ إذَا فَسَدُوا أَوْلَى، كَأَعْضَاءِ الْجَسَدِ إذَا فَسَدَتْ كَانَ قَطْعُهَا أَسْلَمَ فَإِنْ شَحَّ بِهَا سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ، وَكَالثَّوْبِ إذَا خَلِقَ كَانَ اطِّرَاحُهُ بِالْجَدِيدِ لَهُ أَجْمَلَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: رَغْبَتُك فِيمَنْ يَزْهَدُ فِيك ذُلُّ نَفْسٍ، وَزُهْدُك فِيمَنْ يَرْغَبُ فِيك صِغَرُ هِمَّةٍ.
وَقَدْ قَالَ بَزَرْجَمْهَرُ: مَنْ تَغَيَّرَ عَلَيْك فِي مَوَدَّتِهِ فَدَعْهُ حَيْثُ كَانَ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ.